قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: الدعاء تربية وعبادة
شروط استجابة الدعاء
( وإذا سألك عبادي عنّي فاني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون). (البقرة / 186) ( واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليما). (النساء / 76) ( ونوحاً إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم ). (الأنبياء / 76) ( وأيوب إذ نادى ربّه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين * فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين). (الأنبياء / 83-84) ( وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه فنادي في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين * فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين).(الأنبياء/87-88) ( وزكريا إذ نادى ربه رب لاتذرني فرداً وأنت خير الوارثين * فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجة إبهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين). (الأنبياء / 89-90) عن الإمام الصادق (ع) قال: قال رسول الله (ص): ( الدعاء سلاح المؤمن، وعمود الدين، ونور السماوات والأرض). (2) وقال (ع): ( يا ميسر (3) : ادع والا تقل: أن الأمر قد فرغ منه، إن عند الله عزّ وجل منزلة لا تنال إلا بمسألة، ولو أن عبداً سدّ فاه ولم يسأل، لم يعط شيئاً، فسل تعط، يا ميسر، أنه ليس من باب يقرع الا يوشك أن يفتح لصاحبه ). (4) بالتأمل في هذه النصوص، وتقصّي أبعادها، والربط بين مفاهيمها، نستنتج جملة من الأفكار والمفاهيم الرئيسية حول قيمة الدعاء، وأهميته في الإسلام، فالآيتان - الأولى والثانية - قرّرنا مشروعية الدعاء والحثّ عليه، كما أشارت الآيات الأخرى التالية لها إلى نماذج من دعاء الأنبياء ومناجاتهم، واستجابة الله سبحانه لدعائهم، وانضمت إلى هذه المجموعة من الآيات الكريمة إضمامة من الأحاديث الشريفة، فزادت الفكرة وضوحاً، والمفهوم رسوخاً. ومن ضم هذه النصوص بعضها إلى بعض الآخر، ومحاولة دراستها والتأمل في مداليلها نستنتج:- أولا: أن الدعاء عبادة يتعبد بها الإنسان المسلم، ويتقرب بها إلى الله سبحانه. فقد ورد في الحديث الشريف: ( أفضل العبادة الدعاء ) (5). ( وأحب الأعمال إلى الله عزّ وجلّ في الأرض الدعاء ) (6). ثانياً: إن الدعاء تعبير عن ايمان المسلم، واقراره بان الله هو خالق كل شيء، وهو مالك كل شيء، ومنه كل نعمة يتمتع بها الإنسان، فإليه يتّجه، ومنه يسأل، وبه يستعين، لذا كان الاستمرار على الدعاء يشكّل تأكليداً لتقرير حقيقة هامة في نفس الإنسان المسلم، وهي فقره إلى الله، وعدم استغنائه عنه:( يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد ). ( فاطر / 15) فتنمية الإحساس بالفقر إلى الله غاية تعبدية يستهدفها الدين بذاتها، ويتعبد الإنسان بها. الا أن هذا المفهوم والإحساس بالفقر المطلق إلى الله لا يقف عند هذا الحد التعبدي، بل وتترشح منه آثار ومردودات أخلاقية، تساهم في تصحيح الجنوح الاخلاقي واقتلاع جذور الغرور والكبرياء من الأعماق الإنسانية، باشعار الإنسان بفقره إلى الله سبحانه- مصدر الخير والعطاء في هذا الوجود - بما فيه: من حياة، وموت، وصحة، وقوة، ومال، وسلطان، وعلم ...الخ. ثالثاً: ان الله بحكمته منع أشياء كثيرة عن الإنسان، وحال بينه وبين ما يريد لتبرز عظمة الله سبحانه وضعف الإنسان وحاجته إلى خالقه، ليعرف قدره، ويكتشف مصدر الفيض، وموضع الحاجة، فيتوجه اليه، ليبقى هذا التوجه والانشداد قائما في نفس الإنسان، ولئلا يحدث الانفصال المروع بينه وبين الله تعالى، مصدر الخير والوجود، وكلما ازداد انشداد الإنسان إلى الله تعمق احساسه بالانتصار على الحاجة، وتوالدت في نفسه مشاعر جديدة، هي مشاعر الاستغناء الذاتي بالله سبحانه، وتعزيز مكانة الإنسان بين عالم الأسباب والمقاصد المحيطة به، والتي تحاول الضغط عليه، والنيل من ارادته وقدرته على الانتصار عليها، وكلما تنامى في وعي الإنسان هذا الإحساس الإيماني العميق، تفتحت في نفسه آفاق انسانية خلاقة، وتوليدت فيها مشاعر انسانية حيّة، تتفتح أبعادها عن مسارات وقيم حيّة رائدة، لم يكن ليحلم بها، لذلك ورد في حديث الإمام الصادق (ع): ( إن عند الله عزّ وجلّ منزلة لا تنال إلا بمسألة ). ولذلك أيضا حاء الحثّ على الدعاء وتأكيد المواظبة عليه بعناية بالغة على لسان الوحي، وفي سنن المصطفى وتوجيهاته. ومن المؤسف حقّاً ان كثيرا من الناس يعاني معضلة الفهم لقضية أساسية في الدعاء: وهي لماذا لا تستجاب كل الدعوات ولماذا يردّ بعضها في أشدّ ظروف الإنسان محنة وحراجة؟. وللاجابة على هذا السؤال، يجب أن نفهم: أن هناك شروطاً ذاتيّة ترتبط بالإنسان الدّاعي، نفسه، وأخرى ربّانية تتعلّق بحكمة الله وعلمه بمصلحة الخلق، وثالثة موضوعية ترتبط بذات الأسباب والظروف الطبيعية للقضية التي يدعو الإنسان لتحقيقها، فهذه الشروط جميعاً ذات علاقة وتأثير على أجابة الدعوة من قبل الله سبحانه، او عدم اجابتها، فليس كل ما يدعو به الإنسان هو الحقيقة التي يجب أن تكون وتتحقّق في عالم الوجود لأن ارادة الإنسان ليست هي الارادة التي تسيّر العالم، ورغبته في حدوث الأشياء دائماً لا تكشف عن حقيقة ما يجب أن يكون، وليس ضروريا أن تتطابق هذه الرغبة دائماً مع منطق الخير وأهدافه المطوية في ضمير القدر، لذا فان رغبة الإنسان وطلبه من الله سبحانه تحقيق أمنية، ليست كافية لتحقيق الشيء وايجاده، اذ لو جرت الأحداث ولوقائع وفق رغبة الإنسان وأمانيه الذاتية لاختفى تأثير قوانين الوجود، وتوارى دور الإرادة والحكمة الإلهية، ولغات دور الإنسان التكليفي، وانتهت مسؤولية كقوة محركة في عالم الحوادث والأسباب، اذ كثيرا ما يدعو الإنسان لتحقيق شيء وهو لا يحسن تقدير نتائجه، ولا طبيعة آثاره في الحياة، وقد يلح بالطلب، ويرفع صوته بالضراعة والابتهال في التخلص من شيء، وهو لا يعلم ان مصلحته فيما يرفض، وخيره فيما يدعو الله للخلاص منه، فكل ذلك خاف على الإنسان، ومغيب عنه، لعدم قدرته على اختراق حجب الغيب، او الاطلاع على حقائق الأمور، كشف نتائج الحاضر والمستقبل. وما أصدق تعبير الدعاء المأثور، وهو يشخص هذه الحقيقة، ويكشف سطحية المسار الذي تتحرك فيه الإرادة الإنسانية وضيق الأفق الذي تتصرف فيه، وقصور الرؤية عن استبطان حقائق الأشياء، وكشف مطوياتها، يقول الدعاء: (... فإن أبطأ عنّي عتبت بجهلي عليك، ولعل الذي أبطأ عنّي هو خير لي لعلمك بعاقبة الأمور...) (7). لذلك كانت استجابة الدعاء متوقفة على أمور أسياسية - كما بينا آنفا - وهي:
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|