قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: العبادة والزُّهد في الاسلام
التعريف بالعبادة
العبادة في الاسلام : اسم يطلق على كل ما يصدر عن الانسان المسلم من أقوال وأفعال وأحاسيس استجابة لامر الله تعالى وتطابقاً مع إرادته ومشيئته . فلا حصر ولا تحديد لنوع الاعمال أو الافكار أو الاقوال ، أو المشاعر والاحاسيس الّتي يعبد بها الله .. فالصلاة ، والصدقة ، والجهاد ، والتفكّر في خلق الله ، ومساعدة الضعيف ، وإصلاح الفاسد ، وأداء الامانة ، والعدل بين الناس ، ورفض الظلم ، وعدم شرب الخمر ، ومقاطعة الرِّبا والاحتكار ... الخ؛ فكلّ تلك الاعمال هي عبادة ما دام الداعي إلى فعلها ، أو تركها ، هو الاستجابة لامر الله تعالى . وإنّا لنجد في الاحاديث والروايات الواردة عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته (عليهم السلام) ما يوضِّح هذا المفهوم الاسلامي ، ويشخِّص أبعاده الواسعة الشاملة : فقد ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «العبادة سبعة أجزاء ، أفضلها طلب الحلال» (1) . «نظر الولد إلى والديه حبّاً لهما عبادة» (2) . وجاء عن الامام عليّ بن الحسين بن أبي طالب (عليه السلام) : «نَظَر المؤمن في وجهِ أخيه المؤمن للمودّة والمحبّة له عبادة» (3) . وجاء عن الامام الباقر (عليه السلام) : «أفضلُ العبادة عفّة البطن والفرج» (4) . وجاء عن الامام الصادق (عليه السلام) : «أفضلُ العبادة العلم بالله ، والتواضع له» (5) . وجاء عن الامام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) : «ليسَ العبادة كثرة الصِّيام والصّلاة ، وانّما العبادة كثرة التفكّر في أمر الله» (6) . وانطلاقاً من هذا التعريف الاسلامي بمفهوم العبادة .. نعلم أنّ العبادة في الاسلام ليست محدّدة بمجموعة من التكاليف والاعمال .. وإنّما تتّسع لتشمل كل ما يصدر عن الانسان بدافع القربة إلى الله والاستجابة لامره ، والانتهاء بنهيه . إلاّ أن هذه اللفظة (لفظة العبادة) لها استعمال خاص عند فقهاء الشريعة، فراحوا يطلقونها بشكل اصطلاحي على بعض الاعمال التعبّدية بصورة خاصّة .. كالصّلاة والصّوم والحج ... الخ . وهذا الاسـتعمال الاصطلاحي المحـدّد هو غير موجـود في أصل الشريعة ، ولا في مفاهيمها ، فليس هو مفهوماً ، ولا مصطلحاً شرعياً ، ولكنّه مفهوم ومصطلح علمي فني اسحدثته الدراسات المنهجية في الفقه الاسلامي ، عند دراسة الفقه، وتبويبه، وتنظيم أبحاثه وموضوعاته، فقسّم الفقهاء مباحث الفقه الاسلامي إلى قسمين؛ قسم يحتاج إلى نيّة القربة إلى الله تعالى ، وهي العبادات وتشمل الاعمال التعبّدية ، وقسم لا يحتاج إلى نيّة القربة وهي المعاملات ، وتشمل سائر أفعال الانسان ومواقفه، في مجالات السياسة والقضاء والمواريث والمال والتجارة ... الخ . وهكذا فرّق المنهج الدراسي الفقهي بين أعمال لا تتوقّف صحّتها على نيّة القربة ، واُخرى تتوقف صحّتها على نيّة القربة؛ فاُدخلت تحت باب (العبادات) أفعال كالصّوم والصّلاة والحجّ والزّكاة والخُمس والجهاد والامر بالمعروف والنهي عن المنكر والدُّعاء ... الخ . فهذه الافعال يشترط في صحّتها القربة حين إيقاع الفعل، واستمرار سريان القصد حتّى اكتماله؛ وبدون النيّة الخالصة لله تعالى لا تعتبر هذه الافعال صحيحة ولا مقبولة .. بعكس غيرها من الافعال الاُخرى؛ كعقد البيع والشراء والزواج.. أو المواريث والطلاق والقضاء والحكم... الخ . فإن صحّة وقوعها لا تحتاج نيّة القربة ، وعدم وجود نيّة التقرّب إلى الله لا يبطلها؛ ولكن يبطل الثواب ، ولا يستحق منفِّذها شيئاً من رضا الله وثوابه . إلاّ أ نّه بإمكان المسلم الّذي يمارس هذه المعاملات ، والنشاطات الاجتماعيّة أن يحصل بها ثواباً من الله تعالى بأن يجعل نيّة القربة إلى الله سبحانه هي الاساس والمنطلق للفعل ، فيطابق بين أفعاله وبين مشيئة الله وإرادته .. بقصد الاستجابة لامر الله ، والرفض لكل أنواع التعامل الاُخرى المخالفة لشريعته ، ومنهاج رسالته .. وبذا يحقِّق مفهوم العبادة بحقيقته الشرعية ، وهو : (الخضوع لارادة الله ومشيئته ، والاستجابة لامره) . فبامكان العالِم والتاجر والعامل والفلاح والقاضي أن يكون متعبِّداً .. وهو يمارس نشاطه الاجتماعي ، وعمله اليومي عندما يقصد في نفسه الاستجابة لامر الله ، ويستشعر مع هذا القصد معنى الطاعة لله ، والالتزام بشريعته ، فينطلق في كل أعماله ونشاطاته على هدى الشريعة ، وفي ضوء مبادئ الرسالة الالهيّة الخالدة .. رافضاً شرائع الطواغيت ، ومناهج الضلال .. وبذا يحقِّق العبودية لله ، بعد أن وجّه القصد والنيّة الداخلية لله سبحانه ، وأوقع النشاط والسلوك وفق الشريعة الاسلامية ، فيكون بموقفه هذا متعبِّداً في القصد والممارسة . وللنيّة الخالصة لله تعالى قيمة حتّى لو تعذّر العمل بها .. فهي خير في نفسها ، ويُثاب المرء عليها ، فقد خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى غزوة تبوك فقال : «إن في المدينة أقواماً ، ما قطعنا وادياً ، ولا وطئنا موطئاً يغيظ الكفار ، ولا أنفقنا نفقة ، ولا أصابتنا مخمصة ، إلاّ شاركونا في ذلك وهم في المدينة» قالوا : وكيف ذلك يا رسول الله ! وليسوا معنا !؟. فقال : «حسبهم العذر ، فشاركونا بحُسن النيّة» .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|