قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: العبادة والزُّهد في الاسلام
النيّة والعبادة
(يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْب سَلِيم ) .(الشُّعراء / 88 ـ 89) النيّة : هي القصد ، أو التوجّه الارادي الحاسم نحو الشيء . وللنيّة في الاسلام دور مهم في إعطاء الفعل والموقف الانساني قيمته الحقيقيّة ، كما لها دور في تقويم ذات الفاعل واتّجاهه النفسي . فالاسلام لم يعط الفعل العبادي ولا الفاعل قيمة ولا أهميّة مجرّدة عن النيّة والقصد؛ في حالة تقويمه للفعل وتقديره للفاعل .. لانّ الفعل العبادي في نظر الاسلام نسيج هيكلي لجهد إنساني تتحدّد قيمته بالنيّة أو القصد . إذ النيّة تعبير عن الموقف الداخلي ، وعن التوجّه الذاتي ، والحقيقة الباطنة للانسان .. وهي روح الفعل الحقيقيّة الّتي تملأ هيكله ، لذلك فإنّ النيّة تعتبر أداة كشف عن حقيقة الباطن الانساني .. تلك الحقيقة الّتي ليس بإمكان الفعل أن يكشفها ، لأنّ الفعل يمكن أن يخضع لعملية تزوير مقصودة من قِبَل الانسان ، ولأنّه صياغة طيِّعة لجهد ظاهر ، يمكن أن يخرجه الفرد بشكل ليس ضرورياً أن يتطابق مع حقيقة الانسان ومحتواه الباطني . فكثير من الناس يبذل المال ، ويُبدي حُسن الخلق ، ويصلِّي ويصوم ، ونحن نشاهد تلك الصور الظاهرة للافعال ، المتساوية في الظاهر عند جميع الممارسين لها ، فنحسبها سواء .. ولكن لتقويمها في نظر الاسلام وسيلة اُخرى ، ولوزنها ميزان آخر ، وهو (النيّة) . فالّذي يبذل المال ، ويُبدي حُسن الخلق من أجل كسب السمعة والصيت ، والّذي يصلِّي ويصوم من غير توجّه وإخلاص لله سبحانه؛ فكل هؤلاء يجسِّدون في عُرف الاسلام حقيقتين منفصلتين ومتناقضتين في دنيا الانسان .. حقيقة باطنة ، وهي النيّة .. وحقيقة ظاهرة وهي الفعل بصيغته الهيكلية المنظورة . وعندما يضع الاسلام موازينه ليزن الفعل ، ويقوِّم الفاعل ، يتّخذ النيّة أساساً في الوزن والتقويم .. فإن لم تكن النيّة خالصة لله تعالى ، كان هذا الفعل باطلاً؛ لا قيمة له ، وخاسراً لا أجر لصاحبه .. لان فاعله لم يقصد القربة إلى الله ، ولم يتوجّه إليه؛ بل قصد التمركز الذاتي ، والتأكيد على ذاتيته لاظهارها بمظهر الصّلاح، والمقبولية لدى الآخرين. لذا اهتمّت الشريعة الاسلاميّة بالتأكيد على أهميّة النيّة في تحديد قيمة الفعل ، وهل يُراد به وجه الله تعالى أو سوى ذلك . وقد جاء الحديث النبوي الشريف واضحاً صريحاً في تسجيل هذا المعنى عندما نصّ : «إنّما الاعمال بالنيّات ، ولكلّ امرئ ما نوى ، فمَنْ كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومَنْ كانت هجرته إلى دنيا يصيبها ، أو امرأة يتزوّجها ، فهجرته إلى ما هاجر إليه» (7) . وقد جاء في حديث الامام جعفر الصادق (عليه السلام) قوله : «صاحب النيّة الصادقة؛ صاحب القلب السليم» (8) . وسئل الامام جعفر الصادق (عليه السلام) عن حدّ العبادة الّتي إذا فعلها فاعلها كان مؤدِّياً فقال : «حسن النيّة بالطاعة» (9) . وبذا تكون «النيّة» هي مصدر قيمة الفعل ، وعليها يتوقف مدى قبوله عند الله ، ونيل ثوابه . ولذا كان المؤمن الحق بعيداً عن التناقض والنفاق ، وانفصام الشخصيّة ، ومعبِّراً بممارسته عن ذاته ، فهو بهذه الممارسة يكشف عن شخصيّته ، ويرسم صورة توجّهاته الذاتيّة الباطنة ، من غير نفاق ولا رياء . والنيّة تعتبر نتيجة نهائية لسلسلة من العمليات والبواعث الفكريّة والنفسيّة الّتي تقرِّر في النهاية الموقف الباطني للانسان ، وتدفع بقواه البدنية إلى إخراج الفعل إلى حيِّز الوجود . والنيّة لا تتحقق إلاّ بعد : 1 ـ توفّر المعرفة والاحاطة بالشيء المراد فعله ، وبالغرض والغاية منه ، وبالنتيجة المترتبة عليه ، ليستطيع الانسان الاختيار ، وتحديد وجهة القصد . 2 ـ وجود ميل نفسي ، وقناعة ذاتية ، بتطابق الفعل مع غايات النفس بشكل يبعث الشوق والرغبة في تحقيق الفعل ، فيكون الفعل في هذه المرحلة غاية مطلوبة التحقق للانسان المريد . 3 ـ اتّخاذ قرار إرادي بإحداث الفعل ، وتحريك مختلف القوى الجسدية والنفسية والفكرية لاحداثه ، فيأتي الفعل عندئذ كغاية مطلوبة للذات الباطنة ، وبذا يستحق الفاعل المجازاة على فعله ، لأنّ موقفه هذا يمثِّل الامتداد الخارجي للذات الباطنة، ويعبِّر عن شاكلتها؛ قال تعالى : (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً ).(الاسراء / 84) فلذلك كلّه كان الهيكل الشكلي للفعل العبادي لا يعبِّر عن إيمان صاحبه ، حتّى وإن توافق مع المطلوب الخارجي ، والوجود الظاهري للعبادات .. إلاّ إذا كان صادراً عن نيّة صادقة مخلصة . لأنّ تناقض النيّة مع الفعل العبادي يفقده قيمته الحقيقية ويبطله ، فلا يجني صاحبه إلاّ الجهد والعناء . ولذا فإنّ الاجر والثواب لا يتحققان حسب المقدار المؤدّى من الافعال ، ولكن بقدر اخلاص النيّة المتركزة في هذا الفعل، وبمدى تطابقه مع إرادة الله سبحانه ، إرادة الحق والخير . ومن هنا جاء في الحديث الشريف : «إذا أحسن أحدكم إسلامه فكلّ حسنة يفعلها تُكتَب له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، وكلّ سيِّئة يفعلها تُكتَب بمثلها» . وجاء أيضاً في حديث آخر : «أخْلِص النيّة يكفكَ العمل القليل» . وهكذا ، فربّ عمل صغير يستهين به صاحبه ولكن تعظمه النيّة الخالصة لله تعالى .. وربّ عمل كبير يقترن بنيّة مشوبة غير مجرّدة لله تعالى فيسقط من الاعتبار والثواب .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|