تربية واخـلاق

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  العبادة والزُّهد في الاسلام


لماذا العبادة ؟

لماذا يتعبّد الانسان ؟
ولماذا يتحمّل المشقّة ويبذل الجهد ؟ فيصلِّي ويصوم ويحج ويجاهد ويبذل المال ... الخ . فالله غير محتاج للعبادة ، غني عنها ، والانسان يلاقي الكلفة البدنية والتعب في أدائها ، ويبذل الجهد والمال والوقت في سبيلها .. فلماذا كل ذلك إذن ؟!
هذه أسئلة تطرأ على الكثيرين ، ويتصوّرها العديد من الناس حول وجوب العبادة . بينما نجد القرآن يتحدّث عن العبادة فيقول : (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَإلاِْنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ) . (الذاريات / 56)
فما سرّ ذلك ؟
ولماذا العبادة ؟
سرعان ما يتحدّد الجواب ، ويعلن عن نفسه لكل من يتجاوز بفهمه ووعيه النظر السطحي لهذا الوجود ، والفهم الساذج لعالم الاشياء والموجودات ، والعلاقات الكونية العامّة ، فيدرك بوضوح تام أن هذا الكون ـ بما فيه الانسان ـ خُلِقَ بحكمة ، ووفق نظام وعلاقات وقوانين، يترابط بعضها مع بعض ، ويترتّب بعضها على بعض ، وينتج بعضها عن بعض ، فالموجودات من عالم المادّة والحياة والانسان ، وما ينتج عنها من نتائج وآثار ، كلّها تدخل في معادلات وموازنات دقيقة ، وتخضع لقاعدة الاسباب والعلل المتحكِّمة في هذا العالم ، فما من شيء في طرف إلاّ ويقابله شيء في طرف آخر ، وما من سبب إلاّ وترتبط به نتيجة .. فعلى هذه القاعدة ، ووفق هذا القانون الوجودي العام ، شاءت حكمة الله وإرادته أن تسير علاقة الانسان بخالقه ، لانّ الانسان يمثل طرفاً في الوجود ، ويسعى إلى نتائج في دنيا الحياة وعالم الآخرة ، وأن هذا السعي يقوم على أساس أن هناك علاقة ترابطية ، وتعادلاً بين أطراف القضايا، وانتظام الاشياء والموجودات؛ سواء منها الموجودات الطبيعية أم الافعال والنشاطات الانسانية المختلفة .
والقرآن الكريم ناطق بهذه الحقيقة.. وموضِّح لها في موارد متعدِّدة، نذكر منها قوله تعالى :
(وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَـكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ). (إبراهيم / 7)
(... إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ... ) .(الرّعد / 11)
(... فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى ).(طه / 123)
(لِيَجْزِيَ اللهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ المُنَافِقِينَ إِن شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ... ). (الاحزاب/24)
(مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُرِيدُ ... ).(الاسراء / 18)
( ... وَمَن يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الاَْنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللهُ لَهُ رِزْقاً ). (الطّلاق / 11)
فكل تلك الآيات الكريمة تبسط الاسباب وترتب عليها النتائج ..
فجعلت الشكر سبباً لزيادة الخير والنعم والثواب ..
كما جعلت تغيّر أوضاع الانسان وأحواله العامّة مرتبطاً بتغيّر محتواه الداخلي .. بما فيه من أفكار ومفاهيم وعواطف ..
وجعلت الصِّدق والاخلاص لله سبباً للثواب ، والنِّفاق والرِّياء سبباً للعقاب ..
وعمل الصالحات سبباً للنعيم والخلود في الجنّات ... الخ .
فمن هذا العرض القرآني نستطيع أن نكتشف مفهوم القرآن عن العبادة ، ووجوبها القائم على أساس أ نّها عمل سببي ترتبط به نتيجة، وتركها اهمال سببي تترتّب عليه نتيجة .. جرياً على حكمة الله في خلقه الّتي قضت بأن تكون علاقة الانسان بالله ، ووجود هذا الانسان في عالمي الدُّنيا والآخرة ، خاضعاً لهذا القانون الوجودي العام ، قانون الترابط بين السبب والنتيجة .
فلقد جعل الله سبحانه الخلد والنعيم في الجنان لا يتحقق إلاّ بالتزام النفس البشرية بقانون محدّد وهو (العبادة) يوصلها إلى نتيجة محدّدة وهي رضا الله سبحانه، كما جعل تركها سبباً للعذاب والحرمان :
(وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ). (الاحقاف / 19)
من هنا كانت العبادة سبباً للحصول على النعيم والفوز بالجنان ، وكانت واجباً وضرورة كونية يفرضها منطق الوجود ، ويتوقف عليها مصير الانسان ، كما يتوقّف مصير أيّة قضيّة في الوجود على سلسلة الاسباب والنتائج المترابطة في دائرة وجود هذه القضيّة .
وثمة سبب آخر يخضع لنفس القانون ، ويعطي ذات النتيجة ، وهو واقع الحس الاخلاقي ، والّذي يتلخّص مفهومه في المقولة المشهورة (شكر المنعم واجب) .
أي أنّ النعم الّتي أنعمها الله سبحانه على الانسان توجب الشكر ، لأن حقّ المنعم الشكر ، والاعتراف بالنعم ، وضرورة اظهار هذا الاعتراف بكلّ الوسائل التعبيرية المتاحة للانسان ، سواء بالقول أو الفعل، كالصّلاة والدُّعاء والثّناء والصّوم ، أو في الاقرار النفسي والشعور الباطني بالفضل والامتنان، لانّ الانعام فعل صادر من طرف ، هو الله سـبحانه ، ليفاض على طرف آخر ، وهو الانسان ، فما الّذي يقابله في الطرف الآخر حسب قوانين الوجود ؟
لذلك فقد جعل الله سبحانه العبادة : هي المنهج والوسيلة الانسانية للتعبير عن الشكر ، وإكمال معادلة المبادأة بالنعم ـ فضلاً منه ومنّة ـ فأهّل أفعال الانسان ، ورفعها إلى مستوى طرف الموازنة ومعادلة النعم والاحسان الالهي .
ولكن .. أ نّى لعبادة الانسان أن توازي نعم الرّحمن .. الّتي لا تُعدّ ولا تُحصى .
وينضم إلى هذين السببين سبب ثالث للعبادة ، فيحتل أبعاداً خاصّة في نفس الانسان وهو أيضاً نتيجة طبيعية للعلاقة بين الاشياء وقدرها ، وهذا السبب هو الشوق والحب لله ، وانصراف النفس عمّا حولها من موجودات وجزاء ونعيم مرتقب ، بسبب التعلّق والارتباط بعظمة الله سبحانه والانصراف لكماله المطلق .
وتأتي هذه النتيجة الحتمية تعبيراً عن احساس الانسان بحقيقته الصغيرة المتناهية في الصغر ، والناقصة المستغرقة في النقص ، والحاجة إلى الكمـال الالهي الّذي يسـتهوي دوافع النفس ، ويشدّ وعيها ، وأحاسيسها، إلى مُبدئها العظيم (الله).. تماماً كما يتّجه التائه في الصحارى المظلمة إلى مصدر النور والاشراق ، والظمآن إلى منابع الماء والرواء .
ومن مجمل ما عرضنا من حديث حول وجوب العبادة، ومسؤولية الانسان فيها؛ نستطيع أن نستخلص: ( أنّ العبادة نتيجة حتمية لطبيعة الوجود الانساني الذاتية ، يفرضها منطق الوجود العام، والعلاقة الذاتية بين الانسان وخالقه من جهة ، وبين عالم الدُّنيـا والآخرة من جهة اُخرى ) .
ويوصلنا بحثنا أيضاً إلى أن هناك أسباباً أساسية ثلاثة للعبادة هي :
1 ـ دفع العقوبة المتوقعة في عالم الآخرة ، والتهيؤ للعيش في عالم الخلد والنعيم ، بإعداد الذات ، وتوفير الاسباب الضرورية للعيش السعيد في عالم الآخرة؛ وهي العبادة .
2 ـ انّ الله منعم على الانسان؛ وكل منعم يستحق الشكر والثّناء ، لذا كانت العبادة واجباً أخلاقياً ، لانّها أصدق وسائل التعبير عن الاعتراف بالنعم ، ومقابلة إحسان المنعم بما يماثلها من نماذج الخير والامتنان .
3 ـ ان هيام الانسان بحبّ الله لعظيم ذاته ، وجمال صفاته ، وجلال قدسه ، يشدّ الانسان إليه تعالى ، ويدفعه إلى تقديسه وعبادته ، حبّاً وشوقاً إليه، لأ نّه أهل للعبادة ، ومستحق للتقديس .
هذا ، وإن حقيقة الشوق إلى الله تعالى هي رجاء لقائه ، والاُنس بقربه ، والسعادة بجواره .. وهذا لا يتحقق إلاّ بالعبادة الّتي قوامها : العمل الصالح ، والنيّة الخالصة .
قال سبحانه :
(... فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ).(الكهف/ 110)

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com