تربية واخـلاق

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  العبادة والزُّهد في الاسلام


منهاج العبادة في الاسلام

العبادة هي طريق الوصول إلى الله سبحانه، وهي السبب في تحقيق ثوابه ، ونيل جزائه .
والعبادة في الاسلام منهج متكامل المراحل والفصول ، وطريق واضح المعالم والسير .. غرضه تحقيق الكمال البشري ، وتنقية الضمير الانساني من الشوائب والانحرافات، تمهيداً للفوز بقرب الله.. وتأسيساً لتحقيق رضوانه .
والعبادات الّتي حدّدها الاسلام كافية بأثرها التكاملي لرفع قيمة الانسان ، وزيادة قدره ، والتسامي به إلى مراتب الكمال الانساني ، وشدّه إلى الملكوت الاعلى ، وتحقيق عبوديته لله ، ونيل رضوانه .
لذا فإنّنا لا نستطيع الوصول إلى الله بأفضل ممّا صدر عنه... فعبادات الاسلام معراج تتدرّج به النفس البشرية ، مرحلة بعد مرحلة ، حتّى يتم لها الصفاء والنقاء، فتستطيع الاطلال على عالم الآخرة، واستشفاف حقيقة الوجود ، والتعالي على مكاسب الحياة الفانية، لسمو مقام الآخرة وعلو غاياتها ، وارتباطها بعالم الخلود والنعيم الابدي .
فعبادات الاسلام جاءت جميعها تزكية للنفس والبدن ، وتطهيراً للذات ، وتنمية للروح والارادة ، وتصحيحاً لنشاط الجسد والغريزة .
فكل عبادة في الاسلام لها أثرها النفسي والجسدي ، ولها نتائجها التكاملية في مجالات الروح والاخلاق والعلاقات الانسانية المتعدّدة .
فقد جعل الاسلام الصلاة تنزيهاً للانسان من الكبرياء والتعالي ، وغرساً لفضيلة التواضع والحب للآخرين ، ولقاء مع الله للاستغفار والاستقالة من الذنوب والآثام ، وشحذاً لهمّة النفس وقيادتها في طريق التسامي والصعود .
والصوم ترويضاً للجسد ، وتقوية للارادة على رفض الخضوع للشهوات ، والسقوط تحت وطأة الاندفاعات الحسّية الهلعة .
والدُّعاء تنمية لقوّة الاحساس الروحي ، وتوثيقاً للصلة الدائمة بالله والارتباط به والاعتماد عليه ، ليحصل الاستغناء الذاتي بالله عمّن سواه ، فيلجأ إليه المؤمن في محنه وشدائده ، وعند اساءته ومعصيته ، وهو واثق أ نّه يُقبِل على ربّ رؤوف رحيم ، يمده بالعون ويقبل منه التوبة ، فتطمئن نفسه ، وتزداد ثقته بقدرته على مواصلة حياة الصلاح ، وتجاوز المحن والشدائد .
وهكذا فإنّ العبادات في الاسلام تأتلف جميعها ضمن وحدة تعبّدية فتكون منهاجاً متكاملاً لتطهير النفس والروح، وتصحيح مسيرة الجسد ونشاطه ، تمهيداً لكمال بشري يؤهل الانسان للعيش سعيداً في هذه الحياة ومنعماً في الآخرة .
ويتصف منهاج العبادة في الاسلام بأنّه منهاج فطري ذو طبيعة إجتماعية حركية ، لا يؤمن بالفصل بين الدُّنيا والآخرة ; فهو لا يدعو إلى محاربة المطالب الجسدية، من الطعام، والشراب، والزّواج، والراحة، والاستمتاع بالطيِّبات بدعوى أنّها تعارض التكامل الروحي والتقرّب من الله ، بل وازن بمنهاجه موازنة تامّة بين الروح والجسد ، ولم يفصل بينهما، لأنّ الاسلام لا يرى في مطالب الجسد حائلاً يقف في طريق تكامل الروح ، أو عائقاً يعرقل تنامي الاخلاق ، بل يؤمن بأن هدف الجسد والروح من حيث التكوين الفطري هدف واحد، ومنهاج تنظيمها وتكاملها منهاج واحد .
لذلك كان لكلّ فعل عبادي أثر اصلاحي على صحّة الجسم، وحياة المجتمع ، كما له أثر تكاملي على النفس والاخلاق والعلاقة بالله ... فالطهارة والصّوم والصّلاة والزّكاة والحجّ والجهـاد ... كلّها عبادات ذات مردود اصلاحي على صحّة الفرد، وتكوين الجسم، ونظام المجتمع، وكذا فان ممارسات الجسم وحاجاته المادّية المختلفة، لها علاقة وثيقة بتنمية جانب الروح والاخلاق عندما ترتبط بالالتزام بمفهوم الحلال والحرام.. وعندما تبعث في النفس أحاسيس الشكر والثناء على الخالق المنعم .
فكلّ تلك المبادئ مفاهيم روحية تتفـاعل مع الممارسـة الحسّية لتنمي الرابطة بالله سبحانه ، وتقوي العلاقة معه .. لأنّ الانسان في نظر الاسلام كلّ متكامل ، وليس كياناً ثنائياً ينفصل بعضه عن البعض الآخر كما تعتقد الرهبانية المسيحية ، أو بعض الطرق الصوفية الشاذّة ، أو الطقوس البوذية ، وكثير من المذاهب وأهل الرياضات الروحية والبدنية المنحرفة، الّتي تبنّت تعذيب الجسد ، وحرمانه من اللّذائذ والطيِّبات، بدعوى تنمية جوانب الروح والاخلاق، كما يتوهّمون ، فيعمدون إلى تجويع أنفسهم ، أو تحريم الزواج ، أو مقاطعة اللِّباس الجيِّد والبيت الهـادئ ، فينزوون في مكامن الجبـال والشعاب، أو يحتجبون في ظلمات الكهوف والغابات ، للتعبُّد ، والانقطاع عن الحياة.. فكل ذلك انحراف لا يقرّه الاسلام ، وشذوذ لا يرضاه .
فقد كانت دعوة الاسلام واضحة صريحة إلى ترك هذا الاُسلوب ، ورفض هذا المسلك؛ قال تعالى :
(وَابْتَغِ فِيما آتَاكَ اللهُ الدَّارَ ا لآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ ا لْفَسَادَ فِي ا لأَرْضِ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ المُفْسِدِينَ ) . (القصص / 77)
(قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ ا لَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ، قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، خَالِصَةً يَوْمَ ا لْقِيَامَةِ ... ) .(الاعراف / 32)
فالاسلام بمنهجه ودعوته، يرفض التصوّف والرهبنة وتعذيب الجسد من أجل تقوية الروح ـ كما يدّعي المنحرفون عن منهج الحق ومسلك الاستقامة ـ ، والاسلام لا يدعو إلى تعذيب الجسد وحرمانه حتّى في حالة المخالفة في العبـادة ، بغية تحقيق التكامل الروحي ، كما يتصـوّر أصحاب المناهج غير الاسلامية الّذين يفرضون على أنفسهم عقوبات بدنية مؤلمة .. كما لو ارتكب أحدهم مخالفة فإنّه يفرض على نفسه عدم النوم أيّاماً، أو كي جسده بالنار، أو حبس نفسه في وحل أو مستنقع، أيّاماً أو شهوراً ، كما كان يفعل القساوسة والرهبان المسيحيون .
فقد نقل أحد الكـتّاب روايات مُذهلة عن مساوئ الرهبانية ومسالكها المنحرفة نقتطف منها قوله :
( ظلّ تعذيب الجسم مثلاً كاملاً في الدين والاخلاق إلى قرنين ، وروى المؤرِّخون من ذلك العجائب، فحدّثوا أنّ الراهب «مكاريوس» نام ستّة أشهر في مستنقع ليقرض جسمه العاري ذباب سام ، وكان يحمل دائماً نحو قنطار من حديد ، وكان صاحبه الراهب «يوسيبيس» يحمل نحو قنطارين من حديد ، وقد أقام ثلاثة أعوام في بئر نازح .
وقد عبد الراهب «بوضا» ثلاث سنين قائماً على رجل واحدة ، ولم ينم ، ولم يقعد طول هذه المدّة ، فإذا تعب جدّاً أسند ظهره إلى صخرة ، وكان بعض الرهبان لا يكتسون دائماً ، وانّما يتستّرون بشعرهم الطويل ويمشون على أيديهم وأرجلهم كالانعام ، وكان أكثرهم يسكنون في مغارات السباع والآبار النازحة والمقابر ، ويأكلون كثيراً من الكلاء والحشيش .
وكانوا يعدون طهارة الجسم منافية لنقاء الروح ، ويتأثمون على غسل الاعضاء ، وأزهد الناس عندهم وأتقاهم أبعدهم عن الطهارة ، وأوغلهم في النجاسات والدّنس، يقول الراهب «أتهيننس»: أنّ الراهب «أنتوني» لم يقـترف إثم غسل الرجلـين طول عمره ، وكان الراهب «أبراهام» لم يمس وجهه ولا رجله الماء خمسين سنة .
وقد قال الراهب الاسكندري : وا أسفاه ، لقد كنّا في زمن نعد غسل الوجه حراماً ، فإذا بنا الآن ندخل الحمّامات ، وكان الرهبان يتجـوّلون في البلاد ، ويختطفون الاطفال ، ويهرِّبونهم إلى الصحراء والاديار ، وينتزعون الصبيان من حجور اُمّهاتهم ، ويربونهم تربية رهبانية ) (10) .
أمّا الاسلام فقد رفض كل هذا الشذوذ والانحراف رفضاً باتاً ، وجعل الاستغفار والشعور بالندم عند مقارفة الذنب كافياً لتطهير الضمير والاستقالة منه ، مع ترتيب مسؤولية القضاء لما فات الانسان من عبادات وأعمال تعبّدية ، لانّ الشعور بالندم ، والعزم على التوبة معناه رفض باطني للانحراف والاساءة ، ورغبة صادقة في الاستقامة والاعتدال .
وفي بعض الاحـيان يفرض الاسـلام كفّارات بدنية كالصوم ، أو مالية تُدفع للفقراء والمحتاجين كالطعام والكسوة؛ من غير أن يعرِّض الجسد للتعذيب ، أو النفس للارهاق والمشقّة ، قال تعالى :
(يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ ا لاِْنْسَانُ ضَعِيفاً ). (النِّساء / 28)
(... يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ ا لْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ا لْعُسْرَ ... ). (البقرة / 185)
وقد راعى الاسلام في كل عباداته أن تكون العبادة ذات أثر تكاملي على الذات، ومردود عملي لاصلاح المجتمع وتحسين أوضاعه.. فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر .. والصوم يُشعر الانسان بالوحدة والمساواة ومشاركة ذوي الحاجة والفقر بإحساسهم عند معاناة ألم العطش والجوع .. والحج مؤتمر للتفاهم والتعارف والاصلاح ... الخ .
والكفّارات والنذور والصدقات والزّكاة والخُمس عبادات لاشباع الحاجات المادّية عند الفقراء ، وتحقيق التوازن الاقتصادي في المجتمع .. أو تحرير العبيد ومنحهم الحرِّيّة ... والخ .
وهكذا تساهم العبادات في تخطيط شخصية الفرد ، وبناء هيكل المجتمع ، وتمييز شخصيته الاسلامية الواضحة؛ كنتيجة عرضية تترشّح عن هدف العبودية لله سبحانه .. فهي جامعة للنفع الدنيوي إلى جانب هدفها الاساسي؛ وهو إخلاص العبودية لله ، ونيل رضوانه ..
وتتجلّى مساهمة العبادات في هذا التخطيط ، أنّ الانسان ينزع بذاته إلى الراحة وجمع المال والاسـتغراق في الانانيـة ... الخ ، فتقـوم العـبادات بترويض نوازع الذات هذه بدلاً من مقاومتها ، وتحويل الاتّجاه الذاتي إلى الله تعالى بتعويض يناله المكلّف حين يعبد الله تعالى في صـورة إنفـاق مالي حصـل عليه بكد وسهر ، أو مقـاومة للظّلم والفساد ، أو جهد بدني ، هذا التعويض هو الجزاء الاُخروي .. الّذي ترتاح إليه النفس وتهـفو له الروح . وبهذا تحلّ العـبادات جوهر المشـكلة الّتي تعاني منها المذاهب الوضعية ، في التوفيق بين مصلحة الفرد والمجتمع .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com