تربية واخـلاق

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  العبادة والزُّهد في الاسلام


الزُّهـد
الزُّهد في ضوء السِّيرة

يقول الامام عليّ بن الحسين (عليه السلام) : «ألا وأنّ الزُّهد في آية من كتاب الله: (لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا َتَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ...)((14))»(15).
الزُّهد والتقوى مفهومان اسلاميان لهما مصاديقهما النفسية والسلوكية، وآثارهما الاجتماعية والعملية في حياة الانسان المسلم .. ولهما دورهما في تكوين الشخصية الاسلامية الناضجة ، وتمييزها عن غيرها من الشخصيات القلقة المضطربة .
فالزُّهد والتقوى هما غير التصوّف والرّهبنة، وبينهما فوارق في الفكر والممارسة ، وفي المردود النفسي والاجتماعي ، والّذي يستقرئ السنّة النبويّة المطهّرة ، والقرآن الحكيم .. الينبوع الصافي الّذي يرفد الفكر الاسلامي بالمفاهيم والوعي والتصوّر بكل ما يتصل بالحياة ، ويرتبط بنشاط الانسان .. من سلوك وعلاقات ومواقف إجتماعية .. فالّذي يستقرئهما يجد : أنّ الاسلام يرفض الرهبانية .. ويستنكر تجميد الحياة وقتل طاقة الانسان الخلاّقة في سجن هذا الموقف الشاذ المتزمِّت .
وقد تمثّل هذا الرفض واضحاً صريحاً بقوله تعالى :
(ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَآتَيْنَاهُ الاِْنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ ا لَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً ، وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ، فَآتَيْنَا ا لَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ) . (الحديد / 27)
والقرآن حين يستنكر هذا السلوك والموقف الرهباني ، ويرفض تأطير الحياة بهذه النظرة المتحجِّرة؛ الرافضة لنمو الانسانية ، وامتداد جذوة النشاط.. فانّه يوجِّه أنظارنا إلى النموذج القدوة في السلوك والوعي والاتّجاه؛ وهو الرسول الهادي محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) ويدعونا إلى الاقتداء به ، والالتزام بمنهجه ، والسير على هدى سنّته :
(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَا لْيَوْمَ ا لآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً ) . (الاحزاب / 21)
وعندما نخطو باتّجاه هذا التوجيه القرآني خطواتنا العملية، ونشخص بأبصارنا نحو مسيرة القائد الهادي محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، ونتفحّص هذه السيرة والطريقة الفذّة الرائدة في الحياة ، سنجد الانسان القدوة الّذي تشكِّل حياته الصيغة الامينة للاتّجاه العبادي في الحياة، والمنهاج المتوازن الّذي يستوعب كافّة نشاطات الانسان، ومظاهر سلوكه الفردي والاجتماعي.
فقد كان الرسول محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) يملأ الحياة بكافّة أبعادها ، ومختلف نشاطاتها، ويشبع كل جوانب شخصيته العظيمة.. الجسدية والروحية.. الفردية والاجتماعية .. الدنيوية والاُخروية ..
لذا نجده قائداً لاُمّة .. ورسولاً للبشرية .. وحاملاً لراية الجهاد .. وأباً لابناء .. يرعاهم ، ويحنو عليهم ، ويهتم بتربيتهم .. وزوجاً لعدد من النِّساء يباشرهنّ ويعايشهنّ، ويبني الاُسرة والحياة المستقرّة معهنّ .
ومع هذا فهو يمارس عباداته ، فيصوم ويفطر ، ويستمتع بملذّات الحياة.. ويصلِّي ويتعبّد.. وهو أزهد الناس وأورعهم.. ولا يرى تعارضاً ولا تناقضاً بين ممارسة الحياة ، وبين الزُّهد والورع .. بل كان يمارس الحياة في إطار من هذا المفهوم ، وعلى أساس منه . وهكذا كانت سيرته القدوة ، وحياته الرائدة؛ مدرسة تنمو في ظلها الحياة ، وريادة في سبيل الخير والاصلاح .
وقد عبّر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عن سيرته، واُسلوب تعامله مع الحياة في حديثه مع عثمان بن مظعون؛ حين جاءت امرأة عثمان تشكو حالها عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت : يا رسول الله ! إن عثمان يصوم النهار ، ويقوم اللّيل ، فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مغضبا، حتّى جاء إلى عثمان فوجده يصلِّي ، فانصرف عثمان حين رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال له :
«يا عثمان ! لم يرسلني الله تعالى بالرهبانية ، ولكن بعثني بالحنيفية السهلة السـمحاء ، أصوم واُصلِّي ، وألمس أهلي ، فمَن أحبّ فطرتي فليستن بسنّتي ، ومن سنّتي النّكاح» (16) .
فإذا كان هذا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قدوة الزاهدين ، وإمام المتعبِّدين فعلينا أن نكتشف معنى الزُّهد من سنّته العطرة ، وهدى حياته .
ولمزيد من الايضاح ومعرفة معنى الزُّهد فلنتأمّل فيما روي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) من أحاديث :
ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله : «إذا أراد الله بعبد خيراً، زهّده في الدُّنيا ، ورغّبه في الآخرة ، وبصّره بعيوب نفسه» (17) .
«مَن اشتاق إلى الجنّة سارع إلى الخيرات ، ومَن خاف النار لَهَا عن الشّهوات ، ومَن ترقّب الموت ترك اللّذّات ، ومَن زهد في الدُّنيا هانَت عليه المصيبات» (18) .
وجاء عن الامام عليّ (عليه السلام) قوله :
«الناس ثلاثة : زاهد وصابر وراغب .
فأمّا الزاهد ، فقد خرجت الاحزان والافراح من قلبه ، فلا يفرح بشيء من الدُّنيا ، ولا يأسى على شيء منها فاته ، فهو مستريح .
وأمّا الصابر ، فإنّه يتمنّاها بقلبه فإذا نال منها ألجم نفسه عنها بسوء عاقبتها وشقائها، ولو اطّلعت على قلبه لعجبت من عفّته وتواضعه وحزمه.
وأمّا الراغب ، فلا يُبالي من أين جاءته الدُّنيا من حلِّها أو حرامها، ولا يُبالي ما دنّس فيها عرضه ، وأهلك نفسه ، وأذهب مروءته ، فهم في غمرتهم يعمهون ويضطربون» (19) .
وعنه (عليه السلام) أيضاً : «للمؤمن ثلاث ساعات : فساعة يناجي فيها ربّه ، وساعة يرمّ معاشه ، وساعة يخلي بين نفسه وبين لذّتها فيما يحلّ ويجمل...
وليس للعاقل أن يكون شاخصاً إلاّ في ثلاث : مرمّة لمعاش ، أو خطوة في معاد ، أو لذّة في غير محرّم» (20) .
«أ يُّها الناس ! الزهادة : قصر الامل ، والشكر عند النعم ، والتورّع عند المحارم» (21) .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com