اسم الكتاب: العبادة والزُّهد في الاسلام
ج ـ اللّذّة والانفعال
والزاهد حينما يتعامل مع المتع واللّذّات ، يدرك أن هذا الاحساس نشوة عابرة ، وموقف آني يتحرّك نحو التلاشي والفناء . ولا بدّ إذن لمن يعي ويقوِّم اللّذّة بهذا التقويم ، أن لا يجعل من اللّذّة والمتعة غاية ، وأن لا يتهافت عليها ، أو يطلبها بأي وسيلة . فهو عندما يدرك ـ مثلاً ـ أن لذّة التسلّط ، ونشوة الحكم الّتي ينتجها الاحساس الخاطئ بالتعالي لدى البعض .. وتوفرها الدماء ، ودموع المظلومين .. ليست إلاّ الالم والعذاب الّذي يخدعه ويوهمه بالاحساس باللّذّة .. سيقف موقف الرافض لها ، الزاهد فيها . وهو حينما يواجه ارتياح الانسان الجشع إلى جمع المال ، واحساسه بالنشوة واللذّة فيما ينتزعه من أفواه الجياع أو يعتصره من جهود الكادحين ، ليحشر الملايين في مقابر المال وصناديق الاكتناز ، لا يمكن أن يُغرى أو يُجرّ إلى السقوط تحت أقدام هذا الجشع والانتحار الاخلاقي ، وهو يعرف أن موقفه هذا يغتال لذّة الاحساس بالخـير وحبّ العدل بطعنة الاحساس الاناني الهلع . وهكذا في كل موقف : ترى الزاهد ذلك الانسان الّذي يتعامل مع الاشياء ، واللّذّات ، والنوازع ، بوعي وتثمين عقلائي سليم؛ على هدى من وعي الاسلام ، وتحليله للّذّة والمتعة : « ... بل هي مجّة من لذيذ العيش ، يتطعّمونها برهة ، ثمّ يلفظونها جملة» (22) .
|
|