قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: العبادة والزُّهد في الاسلام
د ـ الغاية من الفعل
أمّا العنصر الرابع من العـناصر الّتي تحدِّد تعامل الزاهد مع كل شؤون الحياة ، فهو عنصر الغاية من الفعل الّذي يفعله ، والموقف الّذي يقدم عليه . وهو بوعيه الّذي توفّر لديه ، وإحساسه المستبطن لهذا العالم من خلال فهمه للزمن والعلاقة مع الموجودات ، وتحليله للنوازع والدوافع العميقة نحو الاشياء ، وفهمه للّذّة والانفعال... فهو من خلال كل ذلك غدا مُدرِكاً لقيمة الاشياء .. عارفاً بحقيقتها ، لذا فهو يصرّ على تفاهة قدرها ، وانحطاط شأنها ، وعدم كفاءتها على احتلال موقع الهدف والغاية من نفسه . ومن هنا كانت الحياة في تقديره واعتباره أداة ووسيلة .. والغاية عنده أسمى ، والهدف أبعد ـ وهو رضوان الله وجزاؤه ـ ، وبهذه العقلانية والتعامل الموضوعي تنتصر إرادة الانسان ، وتتّجه نظراته إلى ما هو أسمى من الاثارات الحسّية ، والمتع المادّية العابرة ، فيظل يتعامل معها تعامل المترفِّع عنها .. المتعالي عليها .. الّذي لا يجد فيها غايته ، ولا يرضى أن تكون مجالاً لصرف كل طاقته ونشاطه . ويساعد هذا الفهم والموقف على خلق مجتمع إنساني ، لا يرتبط بالحياة ولا يخاف ضياعها ، أو فوات ما تهفو إليه النفس منها . وينجم عن هذا الشعور الانساني أيضاً مردودات نفسية واجتماعية ذات أثر بالغ الاهميّة على استقرار النفس والمجتمع ، وخلوّهما من عوامل الصراع ، والتوتّر والآلام ، والتخلّص من أزمة التعلّق بالحياة والخوف على ضياعها . فهذا الخوف والقلق الّذي يعيش بصيغته الحادّة حرباً نفسية ، وعذاباً أخلاقياً ، يقاسيه إنسان الحضارة المادّية الهلعة ويصطلي بناره المدمنون على حبّ الحياة ، وبهذه الآثار الايجابية يمهِّد الزهد لقيام مجتمع السلام والكفاية والطمأنينة . فالانسان في هذا المجتمع لا يفكِّر بالعدوان ، ولا يشعر بالخوف أو القلق ، ولا يحاول الجمع والاستحواذ .. فهو يرى كل ذلك دوراناً في فراغ الفناء ، وعبثاً في متاهات الضّياع . لذلك تختفي مع هذا المفهوم الانساني الصحيح كل دوافع الصراع والتنافس على المال والثروة والسلطة واللّذّة ... الخ . ويتحوّل مفهوم الانسان عن التنافس والتسابق .. من الصراع والانتقام والعدوان من أجل الاستحواذ على المال والثروة والسلطة واللّذّة إلى تنافس في حبّ الخير ، وسعي للبناء والاصلاح ، من أجل خير المجموع ، وهدايتهم . والزاهد يجد دليل العمل ، والدعوة إلى تحويل التنافس والتسابق من ساحة الصراع والاستهلاك إلى ملاك الخير والاصلاح في قوله تعالى : (قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ).(يونس / 58) (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ... ). (البقرة / 148) (ثُمَّ أَوْرَثْنَا ا لْكِتَابَ ا لَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُم مُقْتَصِدٌ، وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذلِكَ هُوَ ا لْفَضْلُ ا لْكَبِيرُ ).(فاطر / 32) (... إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ). (الانبياء / 90) (كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الاَْبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْـهَدُهُ المُقَرَّبُونَ* إِنَّ الاَْبْرَارَ لَفِي نَعِيم * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِن رَحِيق مَخْتُوم * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُونَ ). (المطفِّفين/18 ـ 26) وإذن فليس الزاهد هو معتزل الحياة .. ولا هو المنطوي في زوايا المسجد أو البيت .. يلتصق بالارض ، ويشتغل بالدُّعاء والتسبيح .. ولا هو ذلك الانسان السلبي الّذي يتهرّب من مسؤوليات الحياة، أو يستنكر التعامل معها .. بل الزاهد هو من أخرج حبّ الدُّنيا من قلبه ، فلا يحزنه ما فاته منها ، ولا يفرحه ما يكسبه من حطامها .. مستوحياً فهمه ، ووعيه للزّهد؛ من هدى القرآن ، وتوجيهه : قال الامام عليّ (عليه السلام) : «الزُّهد كلّه بين كلمتين من القرآن ، لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم» . فهو يعرف الصورة الحقيقية الّتي تظهر فيها الحياة ، والحصيلة الّتي يجنيها الانسان من عطائها .. وهو يدرك أن اندفاع الانسان الهلع وراء الحياة ما هو إلاّ سقوط الوعي والارادة تحت أقدام الحس ، وطغيان الغريزة والشهوة ، وما هي إلاّ آثار تحدث لتفنى ، وتولد لتغرق في بحار الزمن ، ولا يجني منها شيئاً غير إحساسه باللحظة الفاعلة . لذا فهو يسعى لان يحرِّر نفسه من سيطرة الشهوة أو النوازع الّتي تحاول الطغيان على سيادة العقل ، والانحراف بمنهج الحياة عن خط الاستقامة والاتزان . فالزاهد لم يعد يرى في الحياة إلاّ رحلته الشاقّة إلى عالم السلام والطمأنينة . ومع هذه الرؤية فهو يملأ الحيـاة بكل دقائـقها ، ويعيشها بكل أبعادها .. متأسِّياً بالرسول القدوة (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ومنتهجاً سنّته في الحياة .. ولا يرى الحياة كغاية أو هدف نهائي .. فهو إن سعى لكسب المال ، أو امتلاك السلطة .. أو تحصيل اللّذّة .. لم تكن هذه المكاسب هي الغاية والهدف الّذي يمتص نشاطه ، ويستقطب وجهته .. بل هي الادوات والوسائل الّتي لا بدّ من استخدامها لادامة الحياة .. كمرحلة شاء الله سبحانه أن تكون للتمحيص والاختبار : (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ا لأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَ يُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ). (الكهف / 7)
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|