تربية واخـلاق

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  التوبة هدم بناء


1 ـ التوبة لغة و شرعاً و محتوى

التوبة:ترك الذنب على أجمل الوجوه،وهوأبلغ وجوه الاعتذار،فان الاعتذار على ثلاثة أوجه:-
اما أن يقول المعتذر لم أفعل.أو يقول فعلت لاجل كذا.أو فعلت،وأسأت،وقد اقلعت،ولا رابع لذلك، وهذا الاخير هو التوبة.
والتوبة في الشرع: ترك الذنب لقبحه، والندم على ما فرط منه، و العزيمة على ترك المعاودة و تدارك ما أمكنه أن يتدارك من الاعمال بالاعادة، فمتى اجتمعت هذه الاربع فقد كملت شرائط التوبة.
وتاب الى الله: تذكّر ما يقتضي الانابة، نحو:
(فَتُوبُوا الى اللهِ جميعاً).(النور/ 31)
(أفلا يتوبون الى الله).(المائدة/ 74)
«و تاب الله عليه» - أي قبل توبته منه -.
والتائب: يقال لباذل التوبة، ولقابل التوبة.
فالعبد تائب الى الله. و الله تائب على عبده.
والتوّاب: العبد الكثير التوبة، وذلك بتركه كل وقت بعض الذنوب على الترتيب، حتّى يصير تاركاً لجميعها. وقد يقال لله ذلك لكثرة قبوله توبة العباد حالاً بعد حال، وقوله: (ومن تاب وعمل صالحاً فأنه يتوب الى الله متابا)أي التوبة التامة، وهو الجمع بين ترك القبيح وتحري الجميل: (عليه توكلت و اليه متاب، أنه هو التواب الرحيم)(1).
فمعنى التوبة إذن في لغة العرب هو الاعتذار عن فعل القبيح، بالاعتراف بالفعل، والتعهد بالترك، و عدم العودة.
وهي أعلى مراتب الاعتذار و الاستقامة والتبرؤ من الفعل.
والتوبة بمعناها الشرعي هي: (الرجوع من المعصية الى الطاعة، بقصد القربة المطلقة الى الله سبحانه).
وينطبق هذا الرجوع، أو التغيير على كل ما يمكن أن يصدر عن الانسان من أفعال وأقوال ومواقف، وما يحمله من أفكار ومشاعر و أحاسيس.
والتوبة بتحليلها الواقعي، هي انتقال و تحول في خط الحياة وطبيعة السلوك; لانها نتاج تغير نفسي وفكري جذري يحدث في أعماق الانسان.
وقبول التوبة في واقعه يعبر عن حب الله لعباده، وكمال صفات العفو والرحمة لديه سبحانه.
وهي تعبر عن ارادة الله الخيرة، واستمرار فيوضات اللطف والخير وشمولها لمسيرة الانسان; ليندمج في مسيرة الخير كما خرجت من يد بارئها، بعيدة عن الانحراف والتيه والتردي في متاهات الشر والانحراف.
والتوبة في مشروعية وجودها، وقبول الاثار المترتبة عليها; تحكي لنا عن عظمة قدرة الله، وامكان تصرفه في الكون، وفي الاثار العملية التي ينتجها الوجود، وعن قدرة الله سبحانه على حذفها من داخل اطار الترابط الكوني والانتظام الوجودي من ان تختل موازنة الفعل والنتيجة المترتبة عليه.
فهو سبحانه جعل - بحكمته - الذات الانسانية مبدأ للفعل الانساني .. فالفعل يبدأ من التصور، فالميل النفسي نحو الشيء المراد فعله، ثم اختياره و العزيمة على أدائه و إيقاعه تمهيداً لحدوثه وانتظامه في سلسلة الاسباب والنتائج الكونية العامة.
وبذا يبقى تحمل الانسان لنتائج الفعل مستمراً، بمالَهُ من ارتباط فكري ونفسي، وجهد جسدي في تجسيده واخراج ماهيته إلى حيز الوجود والاشهاد، فتبقى الصلة قائمة بين الفعل والانسان الفاعل، بما للفعل من أثر انطباعي على النفس وتحقق موضوعي سلبي خارج على ارادة الخير .. كامتداد لذات الفاعل و ارادته; ولذا فإنَّ أحدا لايملك قبول التوبة التي هي إبطال أثر الفعل والاعفاء من المسؤولية بعد الحدوث; إلاّ الذي خلق الاكوان وانظمتها، وإلاّ الذي يستطيع أن يتصرف بها ويقهرها، فيمحو ما يشاء و يثبت ما يشاء. قال تعالى:
(أنّما أمرُهُ اذا ارادَ شيئاً أنْ يقولَ لَهُ كُنْ فيكونُ)(يس/ 82)
وقال تعالى:(إنَّ اللهَ يفعلُ مايُريدُ)(الحج/ 14)
والتوبة من الله سبحانه على العباد هي: قبول الاعتذار من الانسان، ومحو النتائج المترتبة تكوينيا وجزائيا على الانسان; قال تعالى:
(انّ الحسناتِ يُذهبْنَ السيئاتِ ذلكَ ذِكرى للذّاكرينَ).(هود/ 114)
فجعل سبحانه من جملة نظام النفس والسلوك أنَّ ارادة الخير والامتداد السلوكي لها قادرين في عالم الوجود الفعلي على حذف ما وقع من ارادة الشر وتجسيدها في العالم الخارجي بعد إذنه و مشيئته. ولولا تشريعه سبحانه بلطفه ورحمته للتوبة،لما كان بمقتضى منطق الوجود التكويني أن تكون هناك توبة،ولكان تحمّل الانسان لنتائج فعله متسقاً مع قواعد العدل حتّى مع ندم الانسان وتراجعه وتوبته.
لان الفعل وقع من الانسان، والنتيجه لابد أن تترتب، ولامجال في عالم التكوين الى الحذف والتخلص; لان الافعال قد وقعت، وأصبحت وجودا احتواها الكون وضمها الى سجل تحققاته، بعد أن كانت امكانا ينطوي في ضمير الانسان، وينزوي في بعض جوانبه.
وما أروع دعاء الامام علي بن الحسين (عليه السلام) وهو يضيء جوانب هذه الفكرة، ويزيدها وضوحاً، ويملؤها غنى وثراء بالفاظه وتعابيره حينما كان يردد:
(لا ينكر يا الهي عدلك ان عاقبته،ولا يستعظم عفوك ان عفوت عنه ورحمته)(2).وقوله(عليه السلام):«ما استوجبتُ بذلك محو سيئة واحدة من سيئاتي،وإن كنتَ تغفر لي حين استوجب مغفرتك،وتعفو عني حين استحق عفوك،فإن ذلك غير واجب لي باستحقاق،ولا أنا أهل له باستيجاب،إذ كان جزائي منك في أول ما عصيتك النار،فإن تعذبني فأنت غير ظالم لي»
وتلك حقيقة توصلت إليها الابحاث و الدراسات العلمية الحديثة، حيث أثبتت أن كل فعل يصدر في هذا الكون سواء من الانسان أم غيره، فانه يترك اهتزازا وحركة موجيّة. تبقى تتردد في هذا الكون ما زال قائماً، لان الكون عبارة عن جهاز تسجيل يحتفظ بكل ما يحدث فيه، من فعل وحركة.
وقد سجل القرآن الكريم هذه الحقيقة المرتبطة بالوجود الكوني للفعل بقوله: (وَوُضِعَ الكتابُ، فَتَرى الُمجرِمين مُشفِقينَ مِمّا فيه ويقولونَ يا وَيلَتنا مال هذا الكتابِ لايُغادِرُ صغيرةً ولا كبيرةً إلاّ أحصاها، وَوَجدوا ما عَمِلوا حاضراً و لايَظلمُ رَبُّكَ أحدا). (الكهف/ 49)
(يومَ يبعثُهُمُ اللهُ جميعاً فَيُنبِّئُهم بما عملوا أحصاهُ اللهُ وَنَسُوهُ واللهُ على كلِّ شيء شهيد). (المجادلة/ 6).
(إنّا نحنُ نحي الموَتى ونكتُبُ ماقدَّموا و آثارَهُم و كل شيء أحصيناهُ في إمام مُبين). (يس/ 12)
(هذا كتابُنا ينطِقُ عليكم بالحق انا كُنَّا نستنسِخُ ما كنتمْ تَعمَلُون ).(الجاثية/ 29).
وبذا لم يكن الانسان مستحقاً لقبول التوبة،وليس واجباً على الله قبولها،لانَّ الاصل في عالم الوجود هو الانتظام بخط سيره والاعتصام بقوانينه،أما الانحراف والشذوذ فانه يؤدي الى ما يعاكس هذه الارادة،ويبقى وجودا شاذا،ونشازا ينطق بالشهادة على فاعله..فليس واجباً على الله بعد الرسل والنذر والبيان والايضاح،أن يحذف للانسان خطيئته هذه،أو يلغي آثارها وجزاءها.
ولكن لطف الله ورحمته شاءت أن يتفضل على عباده، و يرفع عنهم نتائج افعالهم، ويحذفها من سجل الوجود; فيخاطبهم بقوله الحق الرؤوف:
(قُل يا عبادِيَ الذينَ أسْرَفوا على أنفُسِهمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحمةِ اللهِ إنَّ اللهَ يَغفِرُالذُنُوبَ جميعاً إنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَحيم)(الزمر/ 53)
وكم كان دقيقاً توضيح الامام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)لهذه الحقيقة حين قال: اذا تاب العبد توبة نصوحا أحبه الله فستر عليه، فسئل الامام، وكيف يستر عليه: قال: ينسي ملكيه ما كانا يكتبان عليه، ويوحي إلى جوارحه، وإلى بقاع الارض أن اكتمي عليه ذنوبه، فيلقى الله عزوجل حين يلقاه،وليس شىء يشهد عليه بشيء من الذنوب(3).
وان في هذا الحديث، و في الايتين السابقتين، لتأكيدا على علاقة الفعل الانساني و ارتباطه بالكون وبالعالم من حوله ارتباطاً تكوينياً بعد حدوثه، اضافة إلى العلاقة العقلية والنفسية بالنسبة لفاعله.
وقد عبر الحديث عن القوة التي تسجل هذا الاثر وتحفظه بالملك(4)، كما أكد ان الكيان الجسمي للانسان باعتباره وجودا طبيعيا، وبقاع الارض التي هي البعد المكاني لتجسيد الفعل عليها فانها جميعا تتأثر بالحركة والفعل فتسجله وتحويه صيغة أثرية منطبعة.
وبالتوبة تتم براءة العبد إلى مولاه من فعله السيء هذا فيمحو الله هذا الاثر الفعلي بعد اضطراب أصله النفسي والعقلي عند الانسان وانسحابه منه، فيلغى من صفحة الوجود بارادة الهية قاهره فوق انظمة الوجود; وقانون عمله، فيتوقف أثره، ولا يلزم الانسان بتبعاته; فتنخفي الافعال والاثار من صفحة الوجود والحفظ، رغم حدوثها، يوم يُلقي الكون بصفحة الاثار ومدونات النشاط الانساني التي أحصاها آثارا و حوادث كونية منطوية في ثناياه، فيعيد إلقاءها في نهاية الشوط حقائق ذات طبيعة انسانية كما وقعت:
(واذا الصُحُفُ نُشِرَتْ ). (التكوير/ 10)
(وأمّا مَنْ أوتيَ كتابَهُ بشِمَالِهِ فَيقُولُ يا ليتَني لَمْ اُوتَ كِتابِيَه ).(الحاقة/ 25)
(إقرأ كتابَكَ كفى بِنَفسِكَ اليَوْمَ عَليكَ حسيبا). (الاسراء/ 14)

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com