تربية واخـلاق

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  التوبة هدم بناء


3 - التوبة تعبير عن واقعية الاسلام

الانسان هو المخاطب بالتشريع، ونشاطاته المختلفة هي مجال انطباق الاحكام والتشريعات الاسلامية; و ماجاء الاسلام إلاّ ليطابق بين نشاط الانسان واتجاهه في الحياة، و بين ارادة الخير ومشيئة الرحمة في هذا الوجود; لذا فان هذه المطابقة تقتضي منتهى الدقة في تقويم طبيعة الانسان، واستعداداته وامكاناته لئلا تتعذر هذه المطابقة وتنسف غاية الدين.
ومن هنا كانت التكاليف الاسلامية تجري بمستوى الطاقة والاستعداد الانساني، قال تعالى:
(لا يُكلِّفُ اللهُ نفساً إلاّ وُسْعَها)(البقرة/ 286)
وقال تعالى:(يا أيُّها الذينَ آمنوا لاتَتَّبعوا خُطُواتِ الشَيطانِ، وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشيطان فَانَّهُ يأمُرُ بالفَحشْاء والمُنكرِ وَلَوْلا فَضلُ اللهِ عليكُم وَ رَحْمَتُه ما زكى منكم مِنْ أحَد أبدا ولكنَّ اللهَ يزكي مَنْ يَشاء واللهُ سَميعٌ عليمٌ).(النور/ 21)
(اَلَمْ تَرَ الى الذينَ يُزكُّونَ أنفُسَهُم بَل اللهُ يُزكِّي مَنْ يشاءُ ولا يُظْلَمون فتيلا).(النساء/ 49)
(و ما أُبرّىءُ نَفْسي إنَّ النَفْسَ لامَّارة بالسوءِ الا ما رحِمَ ربِّي إنَّ ربِّي غَفور رَحيم). (يوسف/ 53)
(وَلَقَدْ خَلَقْنا الانسانَ ونَعلمُ ما تُوسْوِسُ بهِ نَفسُه...). (ق/ 16)
(إنَّ اللهَ يُحب مِنْ عبادهِ المفتّن التواب)(6).
(ان الله عزّ وجلّ أعطى التائبين ثلاث خصال لو أعطى خصلة منها جميع أهل السماوات والارض لنجوا بها،قوله عزّ وجلّ (7):(ان الله يحب التوابين)وقوله:(الذيَن يحملونَ العَرش ومَنْ حَوَلهُ يُسبِّحونَ بحمدِ ربِّهم وَيُؤمنون به ويستغفرون للذينَ آمنوا ربَّنا وَسِعْتَ كلَّ شيء رحمةً وعلماً فاغفرْ للذين تابوا ـ إلى قوله ـ وذلكَ هُوَ الفوزُالعظيم).(الغافر/ 7 - 9)
وقوله:(والذينَ لا يَدعُونَ معَ اللهِ إلهاً آخرَ ولايقتُلون النفسَ التي حرَّمَ اللهُ إلاّ بالحقَّ و لايَزْنُون وَمنْ يفعلْ ذلكَ يلقَ أثاما يضاعفْ لهُ العذابُ يومَ القيامةِ ويَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً إلاّ مَنْ تابَ وآمنَ - إلى قوله - وكان اللهُ غفوراً رحيماً).(الفرقان/ 68 - 70)
والاسلام عندما استهدف عملية المطابقة بين ارادة الانسان ونشاطه من جهة، وبين ارادة الخير والرحمة الربانية من جهة اخرى، أخذ بنظر الاعتبار: ان الاستعداد الانساني بما يحمل من نوازع نفسية، وقدرة عقلية وجسمية محدودة، وبما يعاني من انقسام بين طريقين في الحياة طريق الخير، وطريق الشر، لايستطيع أن يتوافق دائماً مع ارادة الله سبحانه. و لا يمكنه ان يستقيم على امتداد الخط دونما نكوص أو تعد وشذوذ، لان طبيعة ما يحملُ من قوى ودوافع ونزعات واستعدادات تقصر به عن أن يكون الظل الحقيقي في هذه الارض لارادة الخير المطلق، وغاية الخلق الكبرى.
وقد ورد عن الامام جعفر الصادق (عليه السلام)ما يترجم هذه الحقيقة، ويعبر عنها، وهو قوله: (المؤمن كالسنبلة يضيء أحيانا و يميل احيانا اخرى).
(لا بد للمؤمن من ذنب يأتيه الفينة بعد الفينة).
لذا فان الاسلام كما شرع القوانين والاحكام و قواعد التنظيم الاساسية للحياة، أدخل كذلك في حسابه حقيقة عدم التطابق الكلي وحصول المعصية والشذوذ عن الاستقامة; فجعل لهذا الشذوذ والعصيان والخروج علاجاً خاصاً به وتشريعا شاملا لتنظيمه، بغية العودة بالانسان الى خط الاستقامة والتطابق مع ارادة الخير، وغاية الوجود الكبرى، وهي الاتجاه التكاملي نحو الخير الاعظم.
ومن هنا جاء تشريع الاسلام للتوبة، وتأكيده على أن الانسان لا يمكنه أن يكون حقيقة اراديّة تمثل ارادة الخير، وتتسامى إلى معارج الكمال إلاّ برحمة من الله، وإلاّ بفتح باب العودة إليه; كلما شذ الانسان أو انحرف. وبذا كان الاسلام واقعياً وعملياً عندما تعامل مع الانسان تعاملاً يناسب واقعه كانسان يخطئ ويصيب، وينحرف ويستقيم.
ولذا اكد القرآن الكريم،والاحاديث الشريفة،للانسان هذه الحقيقة،ليتذكَّر فضل الله عليه وليدرك لماذا يعصي؟ ولماذا يتوب؟ وما هي علاقته بالله و هو يعصي و يتوب، و يخطىء ويعتذر..؟
فمن أجل ذلك جاء الايضاح كافيا في جملة من النصوص التي تكشف للانسان حقيقة ذاته، وطبيعة علاقته، ودرجة تطابقه مع ارادة الله سبحانه، والتزامه بشريعته:
(وَلَوْلا فضلُ اللهِ عليكُم و رَحمتُه ما زكى منكُم مِنْ أحَد أبدا).(النور/ 21)
(وَما ابرِّىء نفسي إنَّ النفسَ لامَّارةٌ بالسُوء إلاّ ما رَحِمَ ربِّي إنَّ ربِّي غفورٌ رحيم). (يوسف/ 53)
(وَلَقَدْ خَلَقْنا الانسانَ و نَعْلَمُ ما تُوسْوِسُ بهِ نفسُه).(ق/ 16)
أوضحت هذه الايات أن النفس الانسانية: (أمارة بالسوء) وانها تنزع للاستقلال في هذا الوجود والانفصام عن ارادة الله، بما تتلقى من أوهام ووساوس ونفثات الشر الشيطانية، لتكون إلهاً في الارض. إلاّ ان رحمة الله هي التي تظلل هذا الكائن البائس ليغمره الحب الالهي، ويشمله العفو الرباني فينهض مرة اخرى من كبوته وسقوطه، ليواصل مسيرة التكامل وحب الخير بعد أن يستفيق في أعماقه حس الضمير، ويحاول تجاوز دائرة الظلام إلى عالم النور والعودة إلى رحاب الله، ليحقق أهدافه في الوصول إلى الله، إلى الخلود والسعادة الابدية. وليجد نفسه سابحاً في هالة من الحب والسعادة، متقلبا في عوالم العفو والرحمة والاجلال.
فالملائكة تسبح بحمد الله وتستغفر للتائب، و خالقُه الذي أحصى عليه تمرده وعصيانه، يصفح عنه ويرضى بعودته، ويحب قربه.
(ان الله يحب التوابين ويحب المتطهرين).(البقرة/ 222)
(التائب عن الذنب كمن لا ذنب له، التائب حبيب الله)(8).
وبذا يجد العبد أبواب العودة مشرعة، وآفاق القبول رحبة متسعة، لئلا يستبد به اليأس، ويطغى عليه القنوط، فيتمادى في المعصية، ويودع حياة الاستقامة .. إلى غير رجعة.

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com