اسم الكتاب: التوبة هدم بناء
5 - وجوب التوبة
لما كانت التوبة قراراً إنسانياً حاسماً بالرجوع عن المعصية، والاعراض عن الشر والرذيلة، والعودة إلى حياة الاستقامة والطاعة.. ولما كانت نتائجها العملية خطيرة في سجل الانسان ومصيره كانت التوبة واجبة على كل عاص ومجرم، ومنحرف، بحكم العقل وادراكه لخطر المعصية وضرر الانحراف، والجريمة. ففي الانحراف والمعاصي خطر على حياة البشرية وإضرار بمصالحها في الحياة الاجتماعية بما يقارف الجناة والمجرمون من مخالفات لنظام الحياة، وتحد لمبادىء الاخلاق، وقيم السلوك المستقيم، فيهددون أمن البشرية وينغصون عيشها، ويعرضون حياتها للخطر. وبالانحراف والمعاصي يعرض الانسان نفسه لغضب الله فيبيع سعادته بالالم والعذاب، ويختم حياته بآخرة شقية تعيسة. وبذا يخسر العاصي دنياه وآخرته، ويضر نفسه وغيره. وليس في العقلاء من يقوِّم هذه النتيجة المأساوية فيرضى بها، ولايسعى إلى رفضها وتغييرها. لذا كانت التوبة واجبة على كل مسلم، بل على كل إنسان بحكم العقل وبادراكه للمصالح البشرية الراجحة. ويتطابق حكم العقل هذا بوجوب التوبة، مع حكم الشرائع الالـهية جميعاً; فهي جاءت لتطهر الانسان العاصي من الذنوب، وتنقذه من متاهات الضلال والانحراف، وتدعوه إلى حياة الطهر والاستقامة. وانطلاقاً من هذه المبادئ جعل الاسلام التوبة ركنا من اركانه، وخطوة هامة في منهاج الانقاذ والهداية البشرية، فأكد القرآن الكريم والسنة النبوية على وجوب التوبة والعودة الى الله، والدعوة الى فتح صفحة جديدة في سجل الانسان، والتجافي عن الماضي البغيض، الذي ناءت النفوس العاصية بحمله، وتسودت الصفحات الناصعة بآثامه، وتشوهت الحياة الجميلة ببصمات عاره. فدأب القرآن على رفع صوته في أواسط العاصين، واعلان عفوه في جموع المنحرفين; بفتح باب التوبة والعفو الالـهي لهم; فخاطبهم:(... وتوبوا الى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون).(النور/ 31) (هو انشأكم من الارض واسْتَعْمرَكُم فيها فاسْتغْفِروه ثم توبوا إليه إن ربي قريبٌ مجيب) (هود/ 61) (يا أيُّها الذين آمنوا توبوا الى اللهِ توبةً نصوحا...).(التحريم/ 8) ولهذا صار واجب الانسان أن يستجيب لهذا النداء ويستفيد من هذه السانحة الفريدة، قبل يوم الحسرة والندامة .. يوم يقول: (.. ياحَسْرَتى على ما فرَّطتُ في جَنْبِ اللهِ وإنْ كنتُ لَمِنَ الساخرين ).(الزمر/ 56)
|
|