قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: مبادىء في تربية النشىء المسلم
علاقة التربية بالدولة والقانون
من تعريف التربية وتحديد أهدافها استطعنا أن ندرك خطورة المسؤولية التي تقع على عاتقها، وبعد الغور الذي تنفذ اليه من أوساط الامة، ومدى الاثر الذي تحدثه في نوعية الفرد والجماعة. واذا كانت مسؤولية التربية هي اعداد الانسان الصالح، فان مسؤولية القانون والدولة هي الحفاظ على صلاح هذا الانسان وحماية خيره وطمأنينته، وتحقيق سلامة الحياة وتنظيم علاقة الافراد والجماعات بعضها مع بعض على أسس تلك المصالح والقيم والمبادي الاساسية في حياة الانسان. واذن فالتربية هي العملية الاولى التي تقدم النموذج الصالح للحياة. والقانون والدولة هما الاداة والقوة الالزامية التي تتحمل مسؤولية الحفاظ على هذا النموذج وحمايته; وبقدر ماتكون التربية ناجحة في مسؤوليتها فان القانون والسلطة يكونان ناجحين في بلوغ أهدافهما وتحقيق غاياتهما. فالتربية الاسلامية هي التي تسهل مهمة القانون الاسلامي، وتجعل منه حقيقة مرعبة ومحترمة في نفوس الافراد، ومعترفاً بها لدى الجماعة قابلة للتطبيق والالتزام. والتربية هي التي تمكن السلطة الاسلامية من تنفيذ سياستها وبرامجها الاصلاحية والتنموية. ولكي يتمكن القانون من تنظيم الجماعة البشرية وتنسيق شؤون الحياة، يجب أن يتوفر التناسق والاتفاق بينه وبين التربية من حيث الاساس والمنطلق. أي من حيث القيم والمبادي والاسس الفكرية التي تتبناها التربية ويعمل القانون على حفظها ومراعاتها، لانه في مثل هذه الحال يستقبل كيانات مستعدة لان تدخل في دائرة نشاطه وتلتزم بروحه. لثبوت هذه المبادي سلفاً في أعماقها حتى صارت جزءاً من حياتها، ومنطلقاً لتفكيرها وسلوكها، فالافراد في هذه الحال لايعانون مشقة ولايجدون حرجاً ولا صراعاً نفسياً حال الالتزام بالقانون والانصياع له، فقد صار بالنسبة لهم الضابط والمنظم المتوافق مع دوافعهم وأهدافهم. أما الدولة (فهي الكيان السياسي الاكبر والظل المعنوي لشخصية الامة وارادة مجموعها) وهي الجهة التي تملك حق التصرّف في الافراد وتطبيق القانون استناداً الى طبيعة مسؤوليتها ومبرر وجودها لخدمة مجموع الامة وحماية مبادي الحق والعدل والخير. وبما أن للدولة سلطة تمثل قوة قاهرة فوق الافراد، وتسعى لتطبيق القانون، فان للافراد والجماعات مواقف منها وآراء فيها. فمتى ما ربي الافراد والجماعات على أساس من مبادي الدولة السليمة، وقيمها ومفاهيمها الحقة في الحياة، كان الافراد ينظرون اليها نظرة الراعي لمصالحهم والممثل لارائهم والمندمج مع ذواتهم في حالة استقامة سلوكها وشرعية تصرفها، فيعترف الافراد لها بالمركز القيادي، ويمنحونها ثقتهم، ويقرّون لها ذاتياً بالولاية وحق التصرف، وبالعكس عندما تنحرف عن هذه المبادي وتتخذ لها مساراً شاذاً عن المبادي والقيم الاسلامية، فانها تقابل بالمقاومة والتصدي وتجابه بالمحاسبة والمراقبة. فتصنع التربية الاسلامية في هذه الحال من مجموع الامة قوة حارسة لمبادئها واداة فعالة لممارسة نقد الدولة ومراقبتها... أما اذا انحرف خط التربية عن خط الدولة الاسلامية والقانون الاسلامي فان التمرد والصراع وعدم الاحترام سيحل حتماً في سلوك الافراد ومواقف الجماعة، ولعل هذا هو السبب الاعمق فيما نشاهده اليوم من قلق سياسي يعم الشعوب مع حكوماتها، كما أن سوء تصرف التربية وعدم دقتها هو الذي يخلق الافراط والتفريط في المهادنة والاقرار بالامر الواقع من فساد الدولة وانحرافها، أو التمرد وعدم الانصياع للسلطة الشرعية وارباك مسيرتها والذي يصطلح عليه سياسياً باليمينية واليسارية، فان الدراسات النفسية تقدم لنا حقيقة يجب أن لاننساها في هذا المجال، وهي أن نوعية المعاملة وطبيعة التربية التي عاشها الافراد في طفولتهم لها الاثر الكبير على مواقفهم من الدولة وعلاقتهم بها وبالقانون، فمثلاً الاغراق في الحبّ والوداعة والدلال والميوعة ينتج في الغالب التفكير المهادن والسلوك الخانع، وبعكس ذلك فان الطفل الذي يعيش في ظل القسوة والعنف والتشرد وعدم الاهتمام والعناية، فانه ينشأ عنيفاً متمرداً معارضاً يقلق بال السلطة، ويهدد أمن المجتمع، ويتجرأ على هيبة القانون وسلطته حتى ولو كان الحق قائماً والعدل باسطاً جناحيه. وقد بدت نتائج هذا التناقض وعدم الانسجام والافراط والتفريط واضحة في المجتمعات الحديثة، وخصوصاً في أوربا وأميركا، حيث تعاني هذه الدول الان من التشرد والتمرد والعصابات وجرائم الاحداث والعجز عن السيطرة عليها، بسبب ماتبنته المدارس الطبيعية والنفعية من سياسة تربوية تجاهلت معها وجود القيم والمبادي والاهداف الثابتة للتربية السليمة، فسرى هذا الداء إلى الاسرة، فانحرفت التربية العائلية، وتعطلت مسؤولية الوالدين وأسلم الطفل للفوضى والانحراف السلوكي في المدرسة والبيت، فتشكلت شخصيته واشتد قوامه على هذا السلوك، فشب متمرداً على القانون، مستهيناً بكل القيم، يعاني القانون والمجتمع المتاعب من ضبطه والسيطرة عليه. فكثر الاجرام،وانتشر جنوح المراهقين،وازدادت مشاكل المجتمع، وتعقدت مأساة الانسان. أما التربية الاسلامية فانها تنظر باهتمام بالغ للتوفيق بين القانون والدولة والتربية، فالرسالة الاسلامية تعتمد أولاً على تربية الفرد واعداده إعداداً فكرياً وروحياً وسلوكياً على أسس مبادئها وقيمها، بشكل يجعل من هذه التربية أرضية صالحة، وتربة خصبة لنمو القانون فيها. فالفرد المسلم يُربى وينمو وهو يمارس الحياة الاسلامية في الاسرة والمدرسة والمجتمع، فيشب وهو يشعر أن القانون هو مبادئه التي يؤمن بها، ورسالته المقدسة التي يجب أن يحترمها. والدولة التي تقوم على أساس هذه المبادي، وتحمي هذا القانون، هي القوة التي تمثل ارادته، وتحمي أهدافه، فيجب عليه أن يحترم القانون، ويتعاون مع الدولة. وهو يشعر أنه مسؤول أمام الله عن ذلك، وأمامه عقاب وثواب إلهي على فعله ومواقفه، لانه رُبي على العقيدة الاسلامية، ودُرّب على السلوك والاخلاق الاسلامية، حتى صار انساناً ناضجاً يشارك في بناء الحياة، وهو يعرف أن عقيدته تملي عليه واجباً مقدساً تجاه الدولة والقانون (ياأيها الذين آمنوا اطيعوا الرسول وأولي الامر منكم). (النساء/59) وكما يدرك هذه المسؤولية تجاه الدولة فانه يدرك أيضاً أنه مسؤول عن اصلاح الدولة إذا انحرفت، وعدم اطاعتها اذا اصرت على الانحراف والاستهانة بعقيدة الامة وحقوقها. فانّه يقرأ في كتاب الله: (ولاتركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار). ويقرأ المنهج النبوي في التعامل مع السلطة: (لاطاعة لمخلوق في معصية الله) والى جانب كل هذا يدرك أن أمامه طريقاً مستقيماً واحداً يوصله الى الخير والسعادة وهو الاسلام الذي فهمه وآمن به عن وعي وقناعة (وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولاتتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) وهو يدعو الله في عبادته وصلاته أن يوفق الى الالتزام والتمسك بهذا القانون الذي تستوعبه الشريعة الاسلامية، وتحميه الدولة القائمة على أساس تلك الشريعة; فيناجي ربه فيقول في صلاته: (اهدنا الصراط المستقيم* صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين).
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|