تربية واخـلاق

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  مبادىء في تربية النشىء المسلم


التربية والتأريخ

تمتد بداية التأريخ البشري علـى سطح الارض الى عصور غابرة ضاربة في القدم، وتبدأ هذه البداية مع أول انسـان درج علـى سطح هذه الارض، لـذا فان التأريخ يمثـل قصـة وجود الانسـان على ظهر هـذا الكوكـب، ويـروي ملحمة كفاحه مع الطبيعـة، ويجسـد طبيعة علاقاته مع بني جنسه فيما مضى من الزمان. لذلك فهو خبرة انسانية غنية بتجاربها، وكشف عملي عـن امكانيات الانسان واحتمالات فشله ونجاحه، والتأريخ في كل فترة من فترات وجـود الانسان يمثل حلقة في سلسلـة الحوادث التـي يجريها الانسان.
فالتأريخ اذن عبارة عن نشاط الانسان المتجسد في الماضي موضوعاً أو ماتحقق منه صيغة اجتماعية فعلية.
وللاسلام في فهم التاريخ رأيه وفلسفته وطريقته الخاصة في فهم الاحداث وتفسير الوقائع التأريخية وتقييمها فهو:
1 ـ يؤمن بان للاحداث التأريخية عللها وأسبابها ومقدماتها ونتائجها. لذا فهو علم يدرس حسب خطة ومنهج وعلى أصول وأسس علمية.
2 ـ وضع علماء الاسلام منهجاً للبحث التأريخي يستند الـى الاستقراء ومتابعــة الاحـداث الجزئيـة واستنتاج النتـائـج وتطبيقهـا تطبيقـاً قياسيــاً. وقد أوضـح القـران ذلك المنهج عندما يعرض الاحداث ويخلص الى النتائج.
3 ـ ان الانسان هو المحور والقوة المحركة في صنع الاحداث وليست الظروف والوسائل الخارجية كالالة أو الظروف الطبيعية، وذلك لان الفكر يمكن أن ينتج موضوعاً ويحدث تغييراً. وليس الفكر دائماً هو انعكاس للواقع وانسياق وراءه.
4 ـ ان أحداث التأريخ لاتسير بخط تصاعدي مستمر بصورة حتمية، ولا ترسم منحنىً بيانياً بصورة قسرية. فلا التأريخ مجموعة من المراحل الحتمية التصاعدية كما تدعي الماركسية. ولا التأريخ يعيد نفسه فيصعد ويهبط بصورة حتمية كما يدعي البعض الاخر وانا وان كنا نلاحظ ذلك بشكل ظاهري يطفو على سطح المسيرة التأريخية، ولكنه في واقع الحال يسير مرتبطاً بعلل وأسباب انسانية ترتبط بذات الانسان وارادته. فالتأريخ عملية ارادية يكيفها الانسان كيفما يشاء، فليس الانسان في أفعاله وسلوكه مجبراً ومسيّراً من قبل قوة قاهرة خارجية عن حدود ذاته، بل هو الذي يختار ويصنع التاريخ الاجتماعي، فقوى الانسان وطاقاته الفكرية والنفسية والجسمية هي القوى المحركة للاحداث والموقعة لها، والظروف الطبيعية عوامل مساعدة ومشجعة. وخطأ ماهو شائع عند البعض من أن الاسلام يؤمن بسلبية الانسان وجمود دوره في أحداث التأريخ كما تؤمن الماركسية بذلك.
فالاسلام يؤمن بحرية الانسان وقدرته على الاختيار، وينفي أن يكون الانسان مسيّراً مجبراً من قبل الله تعالى في أفعاله ونشاطاته التي يقوم بها. وها هو القرآن يشرح لنا هذه الحقيقة ويوضحها صريحة واضحة بقوله: (بل الانسان على نفسه بصيرة* ولو القى معاذيره) و (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس) و (إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً) و (إن الله لايظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون) و (فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً جزاءً بما كانوا يكسبون).
لماذا ندرس التأريخ: سؤال يطرح نفسه باستمرار. هل تعني دراسة التأريخ مجرد إرضاء لنزعة المعرفة المنهومة لدى الانسان؟.
أو هل هي الرغبة الملحة في معرفة الماضي لمجرد الاشتغال الذهني المترف ولامساس لها بحياة الانسان الحاضر ولاعلاقة لها بمستقبله الاتي؟ أو أن دراسته تعني شيئاً اخر غير هذا؟ لاشك أن دراسة التأريخ من وجهة النظر الاسلامية تعني شيئاً آخر هو غير ذلك فهي تعني:
1 ـ نقل تراث الامة الماضي الى جيلها الحاضر لاحكام الصلة وتوثيق العلاقة بينهما ليكون حاضرها امتداداً لماضيها.
2 ـ استنتاج العبرة وتحديد الخط الواضح في تجربة الانسان الاجتماعية ومسيرته من ناحيتيها السلبية والايجابية.
3 ـ ان معنى ذلك أن هناك حقيقة ثابتة وقانوناً طبيعياً يتحكم في حياة الانسان الاجتماعية بصورة علمية تكشف عن تجربته الانسانية وممارسته العملية، والا لما كان لدراسة التاريخ أي معنى، ولما كان لكشف صحيحه وخطئه أية فائدة، ولكان مجرد ركام واكداس من الاحداث الغابرة التي لايصح النظر اليها أو الاهتمام بها. ولُننصت الى القرآن الكريم وهو يشرح لنا هذه الحقائق مجتمعة ويؤكد على قيمة النظر الى التأريخ والاهتمام به، ودراسة احوال الامم والشعوب السالفة بغية النجاة من الخطأ والسلبية التي وقعوا فيها، ولغرض التماس الصواب وتحديد رؤية واضحة يسترشد الانسان بهديها، فقد جاءت بهذا الخصوص آيات كثيرة توضح وتشير الى ذلك منها قوله تعالى: (بل كذبوا بمالم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين). (يونس/39)
وقوله: (وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الامثال). (ابراهيم/45)
وقوله: (أولم يسيروا في الارض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الارض وعمروها اكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون)... (الروم/8)
وقوله: (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي اليهم من أهل القرى أفلم يسيروا في الارض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الاخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون). (يوسف/108)
وقوله: (قُل سيروا في الارض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين). (الانعام/10)
وقوله: (الم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الارض مالم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدراراً وجعلنا الانهار تجري من تحتهم فاهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرناً آخرين). (الانعام/5)
وانطلاقاً من هذا الفهم واعتماداً على هذه القاعدة يتوجه التفكير التربوي في الاسلام الى تدريس التأريخ في المدرسة الاسلامية وإدخاله في جملة المنهج كخبرة انسانية تساعد على توجيه الجيل الجديد، وتعينه على سلوك السبيل الامثل وتجنبه كثيراً من أخطاء الماضي وسقطاته. ولذلك فان خطة الدراسة وفق هذه المفاهيم تقتضي دراسة حياة الشعوب والامم بكل محتوى اطارها الزمني، حسنها وقبيحها خطئها وصحيحها مع ممارسة النقد الايجابي ودراسة كل أبعاد الفترات التأريخية طولاً وعرضاً، وترك الطريقة التقليدية القاصرة التي تحصر معظم بحوث التأريخ في أخبار الملوك والقادة، دون الالتفات إلى دور البقية من بناة التأريخ، أو محاولة دراسة التقاط الحوادث اللامعة على صفحة التأريخ كمجد يتغنّى به الانسان الحاضر، مع إغفال المساحات السوداء التي غطّت خارطة التأريخ، والتغاضي عن العلل وأسباب ذلك كلّه، مما يوقع الدارس في الحيرة والارتباك، ويضيع عليه كثيراً من الحقائق والوقائع النافعة. واستناداً إلى فلسفة الاسلام العامّة في فهم التأريخ وتقييم أحداثه يجب أن تستند دراسته إلى:
1 ـ لابد من دراسة التأريخ بامتداديه الطولي والعرضي بما فيهما من سلبيات ضارة وايجابيات نافعة لتكون الدراسة تشخيصاً كاملاً لمساحة كل فترة من فترات التأريخ.
2 ـ اتباع الموضوعية التامة والنزاهة المخلصة بعيداً عن التعصب ورواية التأريخ، وتقديم الحقائق التاريخية فنحن مسؤولون عن كشف الحقيقة لذات الحقيقة عندما تثبت وقائع التاريخ وأحداثه ذلك.
3 ـ ممارسة النقد العلمي النزيه والمناقشة البناءة عند عرض وقائع التأريخ وروايتها لنربي الموضوعية والنزاهة العلمية لدى الطفل والناشىء.
4 ـ التعليل وبيان الاسباب والدوافع واستخراج النتائج لتوفير العبرة والموعظة وتركيزها في نفوس ابناء الجيل الجديد.
5 ـ بيان مدى ارتباط وانطباق هذه الحقائق ودرجة تأثيرها في واقعنا الحاضر لربط الماضي بالحاضر والحاضر بالمستقبل لئلا ينفصل الجيل الجديد عن تراثه وماضيه المجيد..
6 ـ اختلطت بعض وقائع التأريخ بالخرافة والاساطير والمبالغات في تهويل الحوادث، لذا يجب تنقيح الحدث التأريخي من هذه العناصر الغريبة، وتقديم ثقافة تأريخية واقعية للطفل والناشىء للحفاظ على سلامة فهمه للتاريخ وصيانة تفكيره من الخرافات والاساطير والتخلف.

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com