تربية واخـلاق

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الذكر وفاء وعبادة


ج ـ الشكر:

(الشكر: تصور النعمة ، واظهارها ، قيل وهو مقلوب عن الكَشر ، أي الكشف ، ويُضاده الكفر ، وهو نسيان النعمة وسترها . ودابَّة شكور مُظهِرة بسمنها إسداء صاحبها إليها ، وقيل أصله من عين شَكرَى: أي ممتلئة ، فالشكر على هذا هو الامتلاء من ذكر المنعم عليه . والشكر ثلاثة أضرب: شكر القلب ، وهو تصور النعمة ، وشكر اللسان ، وهو الثناء على المنعم ، وشكر سائر الجوارح ، وهو مكافأة النعمة بقدر استحقاقه)(9) .
فالشكر هو الاعتراف بالجميل ، والثناء على المنعم لحسن صنيعه وجميل معروفه ، وهو مقابل المعروف بمثله ، قال تعالى:
(فاذكُروني أذكُركُم واشكُروا لي ولا تَكفُرون) .
(البقرة/152)
(ومَن يُرِد ثَوابَ الاخِرَةِ نُؤتِهِ منها وسَنَجزي الشّاكِرين) .
(آل عمران/145) .
قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):
(لا أحصي ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك) .
(أفضل الذكر لا إلـه إلاّ الله ، وأفضل الدعاء الحمد لله) .
(أفضل ماقلته انا والنبيون من قبلي: لا إلـه إلاّ الله ، وحده لا شريك له له الملك ، وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير) .
وجاء عن الامام الصادق(عليه السلام):
(شكر النعمة اجتناب المحارم ، وتمام الشكر قول الرجل الحمد لله رب العالمين) . .(10)
(شكر كل نعمة وإن عظمت ان يُحمد الله عزَّ وجلَّ)(11) .
وجاء في الدعاء المأثور:
(إلـهي أذهلني عن إقامة شكرك تتابع طولك ، واعجزني عن إحصاء ثنائك فيض فضلك ، وشغلني عن ذكر محامدك ترادف عوائدك ، وأعياني عن نشر عوارفك توالي أياديك) .
(إلـهي تصاغر عند تعاظم آلائك شكري، وتضاءل في جنب اكرامك، اياي ثنائي ونشري، جللتني نعمك من أنوار الايمان حللاً ، وضربت عليّ لطائف برّك من العز كللاً ، وقلدتني منكَ قلائد لاتحل ، وطوقتني أطواقاً لا تفل ، وآلاؤك جمة ، ضعف لساني عن احصائها ، ونعماؤك كثيرة قصر فهمي عن ادراكها ، فضلا عن استقصائها ، فكيف لي بتحصيل الشكر ، وشكري إياك يفتقر الى شكر ، فكلما قلت لك الحمد وجب عليّ أن أقول لك الحمد)(12) .
وجاء رجل إلى الامام الصادق(عليه السلام)فقال له: (جعلت فداك ، علمني دعاء جامعاً فقال: احمد الله فانه لا يبقى أحد يصلي إلاّ دعا لك بقوله - سمع الله لمن حمده -)(13) .
وجاء عنه (عليه السلام):
(من قال أربع مرات إذا أصبح : الحمد لله رب العالمين ، فقد أدى شكر يومه ، ومن قالها اذا امسى ، فقد أدى شكر ليلته)(14) .
(حق الله في العسر: الرضى والصبر ، وحقه في اليسر: الحمد والشكر) .
وجاء عن الامام علي بن الحسين (عليه السلام):
(سبحان من جعل الاعتراف بالنعمة له حمداً ، سبحان من جعل الاعتراف بالعجز عن الشكر شكراً)(15) .
فالشكر إذن تعبير عن إحساس نفسي ، وقناعة فكرية ، يقصد بها مقابلة الاحسان والجميل المُسدى إلى الشاكر من قبل المحسن وصانع الجميل ، بما يماثله من إحسان ومعروف ، فهو اعتراف من الشاكر بأنه مدين للمنعم والمحسن ، وانه لابد وان يعبر عن هذا الاحساس بالاحسان والجميل ، فيعلن عن الامتنان بما يرضي صانع الجميل والمتفضل بالعطاء، وينشأ هذا الشعور في نفس الشاكر كاحساس أخلاقي ووجداني يلح عليه ويدعوه إلى مقابلة الاحسان بالثناء والاعتراف ، لان النفس البشرية تخضع في سلوكها إلى موازنة كونية منطقية تقضي: بأنه ما من شيء يحدث في طرف في هذا الوجود إلاَّ ويعادله شيء ، أو يترتب عليه شيء آخر في الطرف المقابل ، وينسحب هذا المنطق والقانون على الاحساس الاخلاقي لدى الانسان ، ويتعمق هذا الاحساس بالنظر الواعي إلى فيض النعم الرّبانية التي تغمر النفس باحساس الشكر والثناء ، فيؤثر في علاقة الانسان مع الله سبحانه ، مفيض الاحسان والنعم ، ومصدر الخير والمعروف ، فيلجأ الانسان الاخلاقي ، السليم الاحساس إلى ملء الطرف الثاني - والذي يمثله الموقف الانساني ـ من معادلة الانعام والاحسان والجميل بما هو مناسب من التعبير والاداء ، فيلجأ إلى الثناء ، وافراغ احاسيس الشكر بالعبارات والالفاظ والمواقف والاعمال ، كوسيلة لاداء حق المنعم وصانع الجميل ، وبذا كان الشكر اسلوباً من أساليب الاعتراف بالربوبية ، ونمطاً من انماط العبادة والتعبير عن العبودية ، لذا شرع الاسلام هذه العبادة واعتبر الاقرار بالفضل والتعبير بالالفاظ عن الاحسان والمعروف والجميل قضاء واداء لحق الله المنعم ، والرب المتفضل .
ولذا أيضا جاءت الايات والاحاديث تشرع ذلك وتحث عليه وتؤكده: (الحمد لله رب العالمين) ، (فاذكروني اذكركم واشكروا لي ولا تكفرون) .
(شكر كل نعمة وان عظمت ان يحمد الله عزوجل) ، (حق الله في العسر: الرضى والصبر ، وحقه في اليسر: الحمد والشكر) .
فالشكر مظهر من أجلّ مظاهر الذكر وعدم النسيان ، لان الشاكر لايكون شاكراً إلاَّ حين تتشخص أمامه أسباب الشكر ودواعي الامتنان ، فهو ذاكر يلهج بنعم الله ، ويسبح بحمد المنعم ومعروفه: (واما بنعمة ربك فحدث) .
وليس القلب أو اللسان وحدهما بقادرين على الشكر ، بل وللشكر مرتبة أخرى هي ارقى من مرتبة الاحساس والتعبير بالكلمة والذكر باللسان ، وهي مرتبة الفعل وتجسيد الشكر عملاً وواقعاً ، يشهد بصدق الذكر وعدم نسيان المعروف ، عن طريق استعمال النعم التي أنعم الله بها على الانسان في الطاعة وفعل الخير والمعروف ، واسداء الجميل للاخرين ، وتجنب المعاصي والشرور ، قال تعالى:
(اعمَلوا آل دَاوُدَ شُكراً وقَلِيلٌ مِن عِباديَ الشَّكورُ).
(سبأ/13)
فالشاكر الذاكر لا يستعمل نعم الله التي أنعم بها عليه من مال وعلم وقوة وجاه وخيرات . . .الخ ، إلاّ بما يوافق إرادة الربّ المنعم ، وصانع الجميل المتفضل ، بشكل يظهر معروفه وإحسانه ، ليكون الانسان بذلك قد أدى شكر المنعم ، وملا جانب الطرف الانساني بالعرفان والامتنان ، كما أرشدته قواعد التشريع ، وقيم الاخلاق ، قال أبو عبد الله (عليه السلام):
(شكر كل نعمة اجتناب المحارم)(16) .
وبذا يمكن للانسان أن يكون شاكراً ، أي ذاكراً لانعم الله ، مستخدماً إياها في طاعة الله ومرضاته ، وإلاّ فما ذَكَرَ اللهَ من نَسي نعَمَهُ وتنكَّر لمعروف عنده ، فاستعمل العلم للتخريب والدمار والقوة للعدوان والبغي ، والمال للفساد والعبث . . . الخ ، قال تعالى:
(فَاذكُروا آلاءَ اللهِ ولا تَعثوا في الارضِ مُفسِدينَ) .
(الاعراف/ 74)
لذا كان الذاكر حقاً هو الشاكر لنعمه ، المعترف بإحسانه وجميله ، المعبر عن هذا الاحسان والجميل بكل وسائل التعبير البشرية الممكنة ، من احساس وقول وعمل ، مع إيمان الشاكر بأن الانسان لا يستطيع ان يؤدي حق الشكر ، لانه يقف دوماً في موقع الافتقار وتلقي الفيض والعطاء:(يد الله فوق أيديهم)فهو حتّى عندما يشكر الله سبحانه ، ويريد مقابلة نعمه يجد نفسه مطوقاً بفضل جديد ، وهو ثواب الشكر ، وجزاء الذكر:(وسيجزي الله الشاكرين) .
وهكذا يبدأ احساس جديد في نفس الشاكر الذاكر ، فكلما أصاب نعمة ، وأدى شكرها ، أعطي نعمة الثواب والرضى ، وبذا تبقى موازنة الاداء قاصرة في جانبها الانساني ، ويبقى الرّب المنعم هو المتفضل الشكور ، كما قال الامام(عليه السلام):
(فكيف لي بتحصيل الشكر ، وشكري اياك يفتقر إلى شكر ، فكلما قلت لك الحمد وجب عليَّ لذلك أن أقول لك الحمد)(17) .
(سبحان من جعل الاعتراف بالعجز عن الشكر شكرا) .
وهكذا يكون:
الشكر: إحساساً نفسياً بالفضل والاحسان .
الشكر: تعبيراً باللسان عن أحاسيس النفس بكل عبارات الاعتراف والثناء والحمد .
الشكر: استعمال النعم في الطاعة وفعل الخيرات ، وعدم تسخيرها للتمرد والعصيان والعبث .
والشكر: أن يشعر الانسان بأنه مطوق بالفضل والنعم ، وأنه عاجز عن أداء حقها .
وبذا يكون الشكر: ذكراً صادقاً لله ، وإحساساً بالحضور الدائم لفضله وإحسانه .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com