اسم الكتاب: أُمّ المؤمنين الكُبرى خديجة بنت خويلد (ع)
سيِّدة قريش
الحديث عن خديجة بنت خويلد، حديث عن سيِّدة مرموقة من سيِّدات المجتمع المكِّي .. نسباً وشرفاً ومالاً وجمالاً ومكانة اجتماعية .. فهي خديجة القرشية ، بنت خويلد بن أسد بن عبدالعزّى بن قصي بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشية . تنتسب إلى بطن من بطون قريش الخمسة والعشرين بطناً . وتلتقي مع الرسول (ص) بقصي ، وهي أقرب إلى قصي من النبيّ (ص) برجل(4) . واُمّها فاطمة بنت زائدة بن الأصم ، واسمه جندب بن هرم بن رواحة ابن حجـر بن عبد معيص بن عامر بن لؤي .. ولم يتزوّج الرسول (ص) امرأة من ذرِّية قصي غيرها إلاّ اُمّ حبيبة ، كما يذكر المؤرِّخون . توفّرت لخديجة كل مزايا التفوّق في المجتمع المكِّي من المال والنّسب ، وحُسن السيرة والسّمعة الطيِّبة ، والجمال ، واحتلّت مكانة اجتماعية مرموقة بمالها ونسـبها ، وسُـمعتها الطيِّبة . وصفها كتاب السـيَر بعبارات تدلّ على مكانتها ، وتفوّق شخصيتها في مجتمعها . قال ابن اسحاق : «وكانت خديجة بنت خويلد إمرأة تاجرة ، ذات ثروة ومال ، تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إيّاه ، بشيء تجعله لهم ...» (5) . ونقل صاحب السيرة الحلبية في وصف خديجة : «وقالت نفيسة بنت منية ، أخت يعلى بن منية ، وهي من معاصرات خديجة (رض) : وكانت خديجة بنت خويلد امرأة حازمة جلدة (قوية) شريفة ، وهي يومئذ أوسط نساء قريش نسـباً ، وأعظمهم شرفاً ، وأكثرهم مالاً ، وأحسنهم جمالاً ، وكانت تُدعى في الجاهلية بالطاهرة» (6) . (وفي لفظ ، كان يُقال لها : سيِّدة قريش ...) (7) . وقال ابن الأثير : (قال الزبير : كانت تُدعى في الجاهلية الطاهرة) (8) . ووصفها أبو محمد عبدالعزيز بن الأخضر الجنابذي في كتابه ـ معالم العترة النبوية ـ : (وكانت خديجة امرأة حازمة لبيبة ، وهي يومئذ أوسط قريشاً نسباً ، وأعظمهم شرفاً ، وأكثرهم مالاً ) (9) . وكان خويلد أبو خديجة واحداً من رجالات قريش الذين سجّل التأريخ لهم مآثر في مكّة المكرّمة .. مأثرة الدفاع عن الكعبة يوم هاجمها تبع ، وأراد أن يحمل الحجر الأسود إلى اليمن .. لقد قاد خويلد جماعة من رجالات قريش ، ونازع تبعاً ليصدّه عن أخذ الحجر الأسود ، ونقله من مكانه في الكعبة المكرّمة،فحال الله دون ما أراد تبع،ولم يقدر على ما أراد. قال ابن الأثير : «وهو ـ خويلد ـ الذي نازع تبعاً حين أراد أخذ الحجر الأسود إلى اليمن ، فقام في ذلك الوقت خويلد ، وقام معه جماعة من قريش ، ثمّ رأى تبع في منامه ما روّعه ، فنزع عن ذلك ، وترك الحجر الأسود في مكانه» . وهكذا كان موقع خديجة في مجتمعها وقومها ، سيِّدة مرموقة ، يسمِّيها مجتمعها بـ ( الطاهرة) و (سيِّدة قريش) ، وكانت خديجة امرأة ثريّة تاجرة ، تعيش في مجتمع مكّة التجاري تمارس التجارة ، وتُضارب في مالها ، وتديره بعقل تجاري ، وكفاءة متفوِّقة . كان الرجال يعمـلون اُجَراء ومُضاربين في تجـارتها .. فاكتسبت بذلك ثروة واسعة ، حتى أصبحت من أكثر قريش مالاً وأعظمهم ثروة .. وذلك يعبِّر عن قوّة شخصيتها ، وقدرتها على إدارة الأعمال ، والتعامل مع ظروف المجتمع . فكانت امرأة أعمال ناجحة مرموقة ، كما هي سـيِّدة مجتمع تنحدر من طبقة نبيلة مرموقة .. ولم يحدِّث التاريخ، كما ذكر بعض الباحثين ، أنّها تعاملت بالرِّبا ، بل كانت تدير تجارتها عن طريق الاُجراء العاملين ، والمضاربين التجاريين ، وبحصّة من الربح .. لقد كانت تجارتها تنطلق بين الشام ومكّة ، كما كان تجّار قريش يفعلون ذلك .. تلك الظاهرة التي وصفها القرآن بقوله : (لإيلافِ قريش * إيلافهم رحلة الشتاء والصّيف ) ( قريش / 1 و 2 ) . ويبدو أنّ مصدر ثروة خديجة هو أسرتها الثريّة ، وممّا يؤيِّد ذلك فإنّ ابن أخيها ، حكيم بن حزام ، كان تاجراً ثريّاً ، وهو الذي نهاهُ رسول الله (ص) في المدينة المنوّرة عن احتكار الطعام .. حيث كان التاجر الوحيد الذي يملك الطعام ، ويشتري كل ما يصل إلى سوق المدينة المنوّرة ، ويتحكّم فيه بالاحتكار وتحديد أسعاره . وتذكر بعض الروايات أنّها ورثت أموالاً كبيرة من زواجها قبل النبيّ (ص) ، إذ ذكرت تلك الروايات أنّها تزوّجت من أبي هالة ، ثمّ من عتيق ، قبل أن تتزوّج من النبيّ (ص) ، غير أنّ روايات أخرى ـ كما سيتّضح ـ تفيد أنّ الرسول (ص) تزوّج خديجة عذراء ، وليست أرملة .
|
|