عالم المرأة

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب: أُمّ المؤمنين الكُبرى خديجة بنت خويلد (ع)


البداية والمسار

وتتحدّث أندية قريش ومجالسها ورجال المال والتجارة والراغبون في تأجير أنفسهم للعمل والخدمات التجارية .. يتحدّثون عن قُرب الرحلة التجارية إلى الشام وما ستعود به من بضاعة وربح . فقريش يهمّها أمر التجارة وجلب البضـائع .. وخديجة أبرز تاجر في مكّة يطلب الاُجراء والمضاربين .
وكعادتها ، فهي تنوي تسيير قافلة تجارية إلى الشام ، وهي تبحث عن المضاربين والاُجراء الذين تثق بأمانتهم ، وكفاءتهم التجارية ، للتعاقد معهم ..
ومحمد (ص) شاب من سادات مكّة ، فجدّه عبدالمطّلب زعيم قريش ، وعميد بني هاشم ، وهو يلتقي معها بالنسب القريب ، وهي تعرفه عن قُرب .. وقد ملأ سمعها ما يتحدّث به الناس من صدقه (ص) وأمانته ، والثناء على حُسن خلقه ورجحان عقله وكفاءته .. وهي تبحث عن الأمين الذي يحفظ لها مالها ، والكفـوء الذي يحـقِّق لها الربح ، وحَسن الخلق الذي يؤسِّس العلاقة الطيِّبة مع التجّار ورجال المال .
وكأيّ تاجر يريد التعاقـد مع مَن يتعامل معه ويسلِّمه ماله .. فإنّـه يستعرض الأسماء ، والمواصفات المطلوبة ، ويرشِّح مَن يراه مؤهّلاً لتحقيق الشروط ، والأهداف التجاريـة ـ الربح والأمانة ، وحُسن إدارة العمل ـ ، وها هي خديجة تستعرض كل ذلك ، فلم يكن من منافس لشخص محمد (ص) لدى خديجة في هذه الرحلة .. وهكذا وقع الاختيار على محمد (ص) ، ليكون المضارِب التجاري الأمين مع خديجة ..
وإذاً لا بدّ من اللقاء بمحمد (ص) ، الذي ملأ قلب خديجة ثقة وقناعة ، فبعثت إليه تطلب اللقاء به للتفاهم والتعاقد معه .. استجاب محمد (ص) لطلب خديجة ، فالتقى بها ، واستمع إلى عرضها .. عرضت عليه (10) أن تعطيه مالاً ليخرج به إلى الشام فيتّجر به ، وله من الربح أفضل ممّا كانت تعطي لغيره من التجّار في الرحلات السابقة ، كما عرضت أن يصاحبه في الرحلة غلام لها يُدعى ميسرة ، ليقوم بالخدمات ، وقضاء شؤونه الخاصة ، ويكون عوناً له في هذه المهمّة .. يعمل تحت إمرته وطلبه .
لقد كانت الظروف المالية التي يعيشها محمد (ص) مع عمِّه أبي طالب ظروفاً صعبة ، حتى أنّ أبا طالب كان مَديناً لأخيه العباس ، ولا يستطع فكّ ديونه ، فتنازلَ عن سقاية الحاج للعباس ، لضعفه المالي ، وتراكم ديونه .. فمحمد (ص) بحاجة إلى المال ، كما هو عمّه أبو طالب (رض) ، الذي يعيش معه في بيت واحد ، حتى أنّ بعض الروايات تفيد أنّ أبا طالب هو الذي طلب من ابن أخيـه محمد (ص) أن يعمل في التجارة مع خديجـة للضِّيق الاقتصادي الذي يحيط بالاسرة ..
استجاب محمد (ص) للعمل مُضاربةً مع خديجة .. وتمّ العقد ، وتسلّم محمد (ص) المال والقافلة .. وانطلق إلى الشام في رحلة الصيف التي كانت قريش تمارسها للتجارة مع أهل هذه البلاد .. انطلقت القافلة تحمل السلع والبضائع التي تصدِّرها سوق مكّة إلى بلاد الشام .. وها هي القافلة تصل إلى الشام .. إلى سوق ـ بصرى ـ (11) .
لقد كانت صفقات رابحة ، وأرباحاً غير متوقّعة ، اشترى محمد (ص) ما يحتاجه سوق مكّة ، ليعود به إلى تلك الدِّيار المقدّسة .
امتارت القافلة وملأت رحالها .. وعادت تغذ السّير في هجير الصحراء، وحرارة الصيف في بادية الشام وصحراء العرب اللاّهبة .
سارت القافلة ، وسارت معها آمال خديجة وأحلامها الطاهرة الجميلة .. بل سار معها قلب خديجة ، وحبّها الصادق الطّهور لمحمد (ص) .. وظلّت تنتظر القافلة وقدوم محمد (ص) ، وسرّ القدر يستتر خلف حجب الغيب في هذه الرحلة التجارية ، فهي المرأة المؤهّلة في تلك الفترة للاقتران بمحمد (ص) .
وصف الرواة أحداث اتِّجار النبيّ (ص) وخطبة خديجة (رض) وزواجه منها ، ورووها بروايات متقاربة ، وأجمعوا على أنّ سبب الزواج هو تكوّن القناعة في نفس خديجة (رض) بشخصية محمد (ص) ، بعد أن اشتركت معه في العمل التجاري .. وتحليل نشأة هذه العلاقات التجارية في بعض روايتها ـ كالتي رواها ابن هشام في سـيرته ـ تدلّ على أن خديجة (رض) كانت تسعى للتقرّب من محمـد (ص) ، وطلب الزواج منه عن طريق العلاقة التجارية .. فخديجة تعرف المكانة الرفيعة لشخصية محمد (ص) معرفة جيِّدة ، فهو ابن مكّة ، وابن عمومتها ، وابن سيِّد قريش ، وهما يلتقيان في النسب القريب .. ولم يكوِّن العمل التجاري تلك المعرفة .. بل وعن طريق هذه المعرفة طلبت منه أن يتقبّل العمل معها ، على أن تعطيه حصّة في الربح أكثر ممّا كانت تعطي غيره .
ومثل خديجـة بمكانتها الاجتماعية والماليـة التي كان مجتمعها يسمِّيها الطاهرة وسـيِّدة قريش .. مثل خديجة إذ تفكِّر بالاقتران برجل لا تعدو محمّداً (ص) بشرفه وسموّ أخلاقه وكريم سمعته .. انّها تعرف شباب قريش ، ورجالاتها البارزين ورجال المال والجاه في مكّـة .. وقد تقدّم إليها علية القوم لطلب يدها ، والاقتران بها ، ولكنّها رفضتهم جميعاً ..
لقد عادت القافلة بالربح الوفير ، وبالسمعة الطيِّبة . وقد حدّثها غلامها ـ ميسرة ـ عمّا شاهده من شخصية هذا الرجل العظيم من سلوك وخلق ، وغرائب لا تحصل لغيره من الرجال .
وتسلّمت خديجة المال والربح الذي نما بيد محمد (ص) ، كما نمت الثقة والآمال في نفسها باتجاه محمد (ص) . لقد تسلّمت خديجة المال ، ولم يكن هو نهاية المطلـوب ، بل صار السعي نحو محمـد (ص) للإقـتران به زوجاً وشريكاً للحياة هو ما تفكِّر به خديجة ، وتسعى إليه هدفاً وغاية في الحياة .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com