اسم الكتاب: أُمّ المؤمنين الكُبرى خديجة بنت خويلد (ع)
في مرفأ النور
مرفأ النور ، مهبط الوحي ، مُلتقى عالم الغيب وعالم الشهادة .. غار حراء . لقد كانت خديجة المرأة الوحيدة التي تقف إلى جنب محـمد (ص) وتشهد أوضاعه والتحوّلات المتواصلة في حياته باتجاه الرسالة ، لقد جاورت معه في حراء في شهر رمضان ، الشهر الذي هبط فيه الوحي ، وسمعت منه قصّة نزوله في لحظاتـه الاُولى ، وحاورته ، واستقبلته ، وهو (ص) يستشعر ثقل آثار الوحي على جسده .. وتشهد الحالة الجسدية والنفسية لشخصه الكريم (ص) ، فتدثّره وتزمّله ، ويخاطبه الوحي ، ويُسمِّيه : المدّثِّر ، والمزّمِّل في سورتين من أوائل ما نزل من القرآن في بدايات الوحي . لقد شهدت خديجة هذه المواقف كلّها ، فلم تستقبل ذلك الحدث العظيم بالاستغراب ، أو التعجّب ، أو التشكيك ، فهي تعرف حقيقة محمد (ص) ، وقد خبرتها عن قُرب ، خبرتها من خلال العلاقة الزوجية التي مضى عليها خمسة عشر عاماً .. إنّه الصادق الأمين ، والفذّ في رجاحة العقل ، وكمال النفس ، ودقّة الذكاء .. وسير الأحداث الاُولى التي شهدتها خديجة في سيرة زوجها العظيم محمد (ص) ، والمجاورة في حراء ، شهراً كل عام ، يتحنّث ويتعبّد ، والخلوة ، وحبّ الوحدة ، وما تشع بها شخصيته المباركة من حالات غير مألوفة في حياة الناس العاديين ، وما كان يحدِّثها به من رؤيا صادقة يراها في منامه ، كلّها ظواهر جعلت خديجة (رض) تتعامل مع خبر الوحي الذي يحدِّثها به محمد (ص) مصدِّقة عند أوّل تلقِّيها له ، ولم يكن حوارها حوار مُشكِّك ، أو مُثبِّط ، أو مُسـتغرِب ، بل كان حوار مصدِّق يطلب الايضاح والمزيد من البيان ، ليؤمن ، وينطلق شريكاً في حمل المهمّة الصعبة ، والبشارة الكُبرى ، والحدث العظيم .. لقد رافقتهُ إلى هالة النور ، ومرفأ الوحي ، ومهبط جبرئيل .. إلى غار حراء ، وجاورت معه في العام الذي نزل الوحي عليه (ص) فيه ، كما أفادت روايـة نزول الوحي ذلك .. فقد جاء فيها : ( كان رسول الله (ص) يُجاور((44)) في حراء من كل سنة شهراً ، وكان ذلك ممّا تحنث به قريش في الجاهلية) . وقد ذكر محمد بن اسحاق ، عن عبدالملك بن عبدالله بن أبي سفيان عن العلاء بن حارثـة ، قال : وكان واعية عن بعض أهل العـلم ، قال : (وكان رسول الله (ص) يخرج إلى حراء في كل عام شهراً من السنة ، يتنسّك فيه . وكان من نسك قريش في الجاهلية ، يطعم مَن جاءه من المساكين ، حتى إذا انصرف من مجاورته (وقضائه) ، لم يدخل بيته حتى يطوف بالكعبة) (45) . وجاء أيضاً : (حتى إذا كان الشهر الذي أراد الله تعالى به فيه ما أراد من كرامته ، من السنة التي بعثه الله تعالى فيها ، وذلك الشهر رمضان ، خرج الرسول (ص) إلى حراء كما كان يخرج لجواره ومعه أهله ، حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله فيها برسالته ...) (46) . وهكذا تجاور خديجة ذلك العام إلى جنب محمد (ص) في مرفأ النور بجوار غار حراء ، كما تخبر الرواية عن ذلك بنصِّها : (خرج رسول الله (ص) إلى حراء ، كما كان يخرج لجواره ، ومعه أهله ...) . وتتحدّث الروايات عن جوار خديجة ، وتحرّكها باتجاه ابن عمّها ورقة ابن نوفل((47)) ، لتشرح الحدث ، وتستجلي العلامات ، بعيدة عمّا اُضيف إلى الحدث من تلفيقات وتشويه . غير أنّ اتصال خديجة بابن عمِّها ورقة بن نوفل ، وتحدّثها معه لإطلاعه على النبأ العظيم ، وتطبيق العلامات والارهاصات من قبله باعتباره من أهل الكتاب الذين كانوا ينتظرون النبوّة أمر مقبول لا أنّ الذي حدث كان غامضاً على النبيّ (ص) ، وليتولّى ورقة إيضاحه وتفسيره كما ذكرت بعض الروايات المدسوسة .. فمحمد (ص) كان ينتظر النبوّة ، وقد نُبِّئ قبل أن ينزل عليه جبرئيل(ع)في غار حراء،فقد كان يتلقّى الوحي رؤيا في المنام،كما جاء في الروايات..وأنّ عناية خديجة بالحدث،وحوارها مع ابن عمّها ورقة بن نوفل،وما كانت تُبديه من الأسئلة له،لعلّه كان جزءاً من مشروع التبليغ والتعريف بنبوّة محمد(ص)،وكسب موقف ورقة بن نوفل،إلى جنب الرسالة الجديدة. وذلك الحماس،وتلك الحركة المتواصلة،والمدارسة المستمرّة من قِبَل خديجة في الأيام الاُولى من بدء الوحي،يكشف عن اهتمام خديجة،وتفاعلها الكبير وإيمانها الصـادق،ورغبتها في إبراز دلائل النبوّة،لتكون جليّة مستساغة للمخاطبين في أجواء مكّة،ولتُشعِر محمداً(ص) بموقفها المؤازر،وبمساندتها لدعوته،وتخفيف المعاناة النفسية التي تواجهه في حمل رسالته.
|
|