اسم الكتاب: أُمّ المؤمنين الكُبرى خديجة بنت خويلد (ع)
في أوّل الساجدين
استقبلت خديجة كلمة التوحيد بوعي متفتِّح ، وتفاعل وجداني عميق . تناولتها في أوّل خطاب وحديث نبويّ عن البعثة والرسالة .. دونما تشكيك أو تلكّؤ أو توقّف .. تلقّتها وكأنّها على موعد وانتظار للنبوّة ، كما كان قلب محمد (ص) ينفتح لعالم الغيب ، وخطاب الربّ الرحيم .. تلقّت البُشرى وهي بانتظار ما سيبلِّغها به محمد (ص) من مستجدّات الرسالة .. فهي تعلم كما تعلم قريش أنّها من ذرِّية الخليل ابراهيم .. وأنّ ابراهيم (ع) نبيّ ، صاحب رسالة .. وأنّ الله بعث موسى وعيسى بشرائع بعد ابراهيم . كان ورقة بن نوفل قد تنصّر وقرأ التوراة والانجيل ، وهو يحدِّث عن قُرب ظهور النبيّ ، وانّ في هذه الديانات شرائع وعبادات ، وتطهّراً من رجس الشرك والوثنية .. وإذاً فهي بانتظار ما سيهبط به الوحي من تعاليم وشريعة وقرآن ، بعد أن قرأ عليها محمد (ص) ما نزل عليه من سورة ( العلق) .. وأبلغها أ نّه نبيّ يحمل للبشرية رسالة كُبرى ، تُخرجها من الظلمات إلى النور .. كل ذلك كان واضحاً لدى خديجة .. ولم يمضِ إلاّ يومان على ظهور جبرئيل (ع) لمحمد (ص) ، وحمل البشارة إليه ، ليبلِّغه في اليوم الثالث بفريضة الصلاة .. فيأتي محمد (ص) فيُبلِّغ عليّاً (ع) وخديجة ، فيستقبلان الخطاب بشوق واستجابة .. جاءت الروايات تتحدّث عن أنّ جبرئيل علّم رسول الله (ص) الوضوء والصلاة (52) في اليوم الثالث من بدء الوحي . وجاء محمد (ص) يحمل إلى عليّ وخديجة البُشرى بفريضة الصلاة .. ابتدأ بتعليمهما الوضوء والصلاة ، ثم صلّى بهما وصلّيا معه . قال ابن الأثير : ( أتى جبرئيل (ع) النبيّ (ص) أوّل ما أتاه ليلة السبت ، وليلة الأحد ، ثم ظهر له برسالة الله يوم الاثنين . فعلّمه الوضوء والصلاة ، وعلّمه (إقرأ باسم ربِّكَ الّذي خَلَق ) ، وكان لرسول الله (ص) أربعون سنة) (53) . (ثمّ كان أوّل شيء فرض الله من شرائع الاسلام عليه، الاقرار بالتوحيد، والبراءة من الأوثان ، والصلاة ، وأنّ الصلاة لمّا فُرضت عليه (ص) ، أتاه جبرئيل ، وهو بأعلى مكّة ، فهمز له بعقبه في ناحية الوادي . فانفجرت فيه عين ، فتوضّأ جبرئيل ، وهو ينظر إليه ليريه كيف الطّهور للصلاة ، ثمّ توضّأ رسول الله (ص) مثله . ثمّ قام جبرئيل فصلّى به ، وصلّى النبيّ (ص) بصلاته ، ثمّ انصرف . وجاء رسـول الله (ص) إلى خديجة فعلّمها الوضوء ، ثمّ صلّى بها ، فصلّت بصلاته) (54) . وتواصل خديجة السّـير خلف محمد(ص)،تواكب مسيرته،وتترسّم خُطاه،تتحدّى معه ديانة قومها،كما تحدّت مريم ابنة عمران،وآسية بنت مزاحم .. تتحدّى الشرك والوثنية في أوج عظمتها ، وفي أقوى معاقلها في مكّة المكرّمة ، في المسجد الحرام ، حيث تجتمع الأصنام . إنّها تقف في رحاب البيت الحرام خلف محمـد(ص)،موحِّدة ساجدة لتطهِّر البيت من رجس الأوثان ، وتُعلن عن هذا الشعار التوحيدي المعبِّر مع زوجها النبيّ (ص) وابن عمّه الذي قدّر له أن يعلو كتف محمد (ص) يوم الفتح ، فيُحطِّم الأوثان ، كما حطّمها أبوه ابراهيم من قبل .. إنّه منظر غريب على أهل مكّة .. محمـد وخلفه خديجة وعليّ يؤدّون الصلاة في المسجد الحرام .. راكعين ساجدين لله الأحد .. إنّها بوّابة الثورة على الوثنية ، ومنطلق التغيير . (نقل يحيى بن عتيق الكندي ، قال : حدّثني أبي ، قال : كنتُ جالساً مع العباس بن عبدالمطّلب بمكّة بالمسجد قبل أن يظهر أمر رسول الله (ص) ، فجاء شاب فنظر إلى السماء حين حلّقت الشمس ، ثمّ استقبل الكعبة فقام يصلِّي ، فجاء غلام فقام عن يمينه ، ثمّ جاءت امرأة فقامت خلفهما ، فركع الشاب ، فركع الغلام والمرأة ، ثمّ رفع فرفعا ، ثمّ سجد فسجدا . فقلت : يا عباس أمر عظيم ، فقال العباس : أتعرف هذا الشاب ؟ فقلتُ لا ، فقال : هذا محمد بن عبدالله بن عبدالمطّلب ، ابن أخي ، أتدري مَن هذا الغلام ؟ هذا عليّ بن أبي طالب ، ابن أخي ، أتدري مَن هذه المرأة ؟ هذه خديجة بنت خويلد . إنّ ابن أخي هذا حدّثني أنّ ربّه ربّ السماوات والأرض ، أمرهُ بهذا الدِّين وهو عليه ، ولا والله ما على ظهر الأرض اليوم على هذا الدِّين غير هؤلاء) (55) . ونقل الطبرسي ، رحمه الله ، في كتابه «إعلام الورى بأعلام الهدى» ذلك المشهد التأريخي العظيم أيضاً ، غير أنّ رواية الطبرسي تقول أنّ هذه الحادثة شاهدها عقيق الكندي في منى ، في موسم الحج ، وأنّ رسول الله (ص) خرج من خبائه ثمّ اتجه نحو البيت الحرام، فصلّى، فصلّى خلفه عليّ وخديجة .
|
|