عالم المرأة

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب: زينب (ع) وفاجعة كربلاء


الولادة والنشأة

وحق أن ينحني القلم إجلالاً ، بل إعجاباً وتصاغراً أمام زينـب (ع) ، حين يسعى للحـديث عنها .. زينـب (ع) الكلمة الخالدة في فم التأريخ ، والصوت المدوِّي عبرَ الأجيال، والموقف الرائد في عالم الثورة والتحدِّي للظلم والطغيان، والمعلم المتأ لِّق في دُنيا المرأة والجهاد .. زينب (ع) لوعة الشجن وموقف البطولة وإرادة المواجهة .. زينب (ع) الروح التي تجسّدت فيها قِيَم الكُبرى خديجة والزهراء فاطمة (ع) ، وشجاعة القائد عليّ ، وصبر الرسول محمد (ص) ، وعزّة السِّبط حسن ، وثورة الشهيد حسين ..
لم يُفجَع أحد من آل محمـد (ع) بل ومن بني الانسـان ، عبرَ كوارث التأريخ ، ولم يواجه مثل ما واجهت زينب ، فكانت جبلاً لا تهزّه العواصف ، وإرادة لا تنال منها الكوارث ، وملجأ لا تقتحمه الجيوش والمحن ..
زينب في موقفها .. زينب في إرادتها .. زينب في صـبرها .. زينب في قيادتها للموقف والمواجهة والدعوة إلى أهداف الثوّار في كربلاء .. زينب كانت الكتاب الذي حوى كل هذه الفصول المضيئة ، ليقرأ فيما بعد ، لتقرأ صفحات الصراع بين محمد وخديجة وفاطمة وعلي والحسن والحسين ، وبين خصومهم عبرَ مراحل المحنة والصراع ..
لقد شاء الله أن ترث زينب (ع) هذه الأعباء ، وأن تحمل الراية بعد يوم الطّف ببطولة وجدارة ، راية بدر التي حملها عليّ (ع) يوم الفرقان ، يوم التقى الجمعان ، جمع محمد (ص) وجمع أبي سفيان ..
تلك زينب (ع) بنت عليّ بن أبي طالب (ع) ، اُمّها فاطمة الزهراء بنت رسول الله (ص) ، وجدّتها لأبيها فاطمة بنت أسد مربِّية الرسول (ص) ، التي قال فيها (ص) : «كانت اُمِّي» ، وجدّتها لاُمِّها اُمّ المؤمنين الكُبرى خديجة بنت خويلد (رض) ، وأخواها السبطان الشهيدان سيِّدا شباب أهل الجنّة ، الحسن والحسين (ع) ، وعمّها جعفر الطيّار ، قائد المهاجرين في الحبشة ، ذو الجناحين ، حامل الراية ، والشهيد في معركة مؤتة الخالدة ، وزوجها ابن عمّها عبدالله بن جعفر الطيّار .
في بيت عليّ وفاطمة (ع) ، وفي رحاب النبوّة المشرقة ، ولدت زينب (ع) ، وكانت ولادتها في الخامس من جمادى الاُولى ، سنة خمس من الهجرة .. بُشِّر بها رسول الله (ص) فسمّاها (زينب) . والزينب في لغة العرب ، كما يقول ابن الأعـرابي (شجر حسن المنظر طيِّب الرائحة ، وبه سُمِّيت المرأة ، وواحد الشجر للزينب زينبة) (2) .
ومن الحقائق المعروفة ، أنّ رسول الله (ص) قد أطلعه ربّ العزّة على ما في ضمير(3) الغيب ، فكان على علم بما سيؤول إليه أمر اُمّته ، ومحنة أهل بيته (ع) من الظلم والقتل والتشريد .. بل كان على علم بمقتل الحسين في أرض كربلاء .. جاء في كتاب عمرة بنت عبدالرّحمن الذي وجّهته إلى الامام الحسين (ع) حين عزم على الخروج إلى العراق ، وهي تطلب منه عدم الخروج ، مخافة القتل .. جاء فيه قولها : ( أشهد لسمعت عائشة تقول إنّها سمعت رسول الله (ص) يقول : يُقتَل الحسين بأرض بابل .. ) (4) .
كان يوم ولادتها يوماً تمازجت فيه الأفراح بالعبرات ، والوجوم بالابتسامة ، والحزن بالمسرّة .. تفاعلت كل تلك المشاعر في قلب محمد (ص) وفي نفس عليّ وفاطمة ، وهم يطلّون على عالم الغيب من خلال ما علم الرسول (ص) ; فتلك الوليدة ينتظرها يوم رهيب ، وسيلقى على عاتقها ميراث الصراع الطويل .. ولدت زينب (ع) ، فجاءت بها اُمّها فاطمة (ع) تحملها إلى أبيها عليّ (ع) ، تطلب منه أن يختار لها اسمها المبارك .. وعليّ كعادته لم يكن يسبق رسول الله (ص) في تسمية أبنائه الحسن والحسين ، اللّذين يكبران البنت الوليدة ، فقد كانت هي أوّل بنت وُلِدَت لعليّ وفاطمة (ع) بعد الحسنين (ع) ، أجاب عليّ (ع) : لم أكن لأسبق رسول الله (ص) في تسميتها ، فلنسأل رسول الله (ص) في ذلك .
ويذكر كتّاب السيَر أنّ رسول الله (ص) كان في يوم ولادتها في سفر خارج المدينة .. عاد رسول الله (ص) من سفره ، وجاء عليّ يحمل البُشرى إليه .. ويسـأله أن يختار للوليدة المباركة إسماً .. أجاب الرسول (ص) : «ما كنتُ لأسبق ربِّي تعالى في تسميتها» .
وفي أجواء هذا الحوار والحبور الذي يملأ بيت عليّ وفاطمة (ع) ، هبط جبرئيل (ع) وأقرأ النبيّ السّلام من ربِّ العزّة ، وقال له : سمِّها زينب ، فإنّ الله اختار لها هذا الاسم ..
ويضيف الرواة أنّ الله سبحانه أخبره بما سيجري على هذه المولودة من مصائب ومحن ..
تسلّم النبيّ (ص) هذا النبأ المحزن ، فبكى حين تراءت أمامه صور المحنة والمأساة التي ستحلّ بأهل بيته (ع) ، وبتلك الوليدة التي ستكون وحيدة في ميدان كربلاء ، وفي مقارعة الطواغيت القتلة .
ترعرعت الوليدة بين جدِّها رسـول الله (ص) وأبيها عليّ (ع) واُمّها فاطمة (ع) ، أبوها عليّ الذي شبّ ونشأ في حجر رسول الله (ص) ، وهو أوّل الرجال إسلاماً ، صدّق رسول الله (ص) برسالته وعمره عشر سنوات ، عليّ رجل العقيدة والقيَم والمبادئ ..
واُمّها فاطمة بنت رسول الله (ص) ، سيِّدة نساء العالمين .. فاطمة التي عاشت وتربّت في بيت أبيها الهادي محمد ، واُمّها الطاهرة خديجة الكُبرى ، وإلى جنب تلك الأجواء الروحية ، والبيئة الإيمانية الصافية ، كانت تستنشق أجواء النبوّة ، وتدرج في أحضان جدّها المصطفى محمد (ص) ; فقد عاشت في ظلاله الوارفة خمس سنوات .
في هذه البيئـة الفريدة في عالم الانسان ، عاشـت زينب (ع) طفولتها الاُولى ، وتكوّنت شخصيتها ، فاكتسبت من عوامل تكوين الشخصية جميعها : البيئة والوراثة والتربية .. فحق أن تكون زينب التي عرفها التأريخ بكل ما تجسّد فيها من صفات .. وحق أن تكون قدوة المرأة في عالم الأدب والسياسة والخُلْق والدِّين .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com