اسم الكتاب: زينب (ع) وفاجعة كربلاء
مع أبيها في مقرِّ الخلافة
وبويعَ عليّ (ع) في الثالث والعشرين من ذي الحجّة سنة (35) من الهجرة ، بعد مقتل عثمان في المدينة المنوّرة ، فبدأت الفتن ، وبدأت الأحزاب والتكتّلات الطامعة في الخلافة تتأهّب لنقض البيعة ، وكان في مقدّمة أولئك طلحة والزبـير وعائشة ومعاوية بن أبي سـفيان والي عثمان على الشام . وتوجّهت عائشة إلى البصرة تؤلِّب الناس على خلافة عليّ (ع) ، وبدأت الفتن تملأ الآفاق كقطع اللّيل المظلم ، وبدأ التمرّد ، وشعر عليّ (ع) أنّ الخطر يُهدِّد وحدة الاُمّة وشرعية الخلافة .. فتوجّه إلى البصرة لإخماد الفتنة ، وتوحيد الاُمّة .. كان الصِّدام ، وكانت معركة الجمل الطاحنة في جمادى الاُولى سنة (36) من الهجرة ، ونصرَ الله عليّاً ، وسحق ذلك التمرّد الخطير ، ثمّ اتجه إلى الكوفة ليخوض المعارك ضدّ معاوية والخوارج من بعده في صفِّين والنهروان .. اتّخذ عليّ (ع) الكوفة عاصمة له ، ليكون على مقربة من مواجهة الخطر الآتي من الشام ، مقر حكومة معاوية الأموية ، وليُجنِّب المدينة محنة الصراع ، فاستقرّ في الكوفـة ، واستقرّت زينب إلى جنب أبيها في بيت الخلافة والإمامة ، وهي تشهد أباها وإخوتها وزوجها وأبناء عمومتها يخوضون المعارك ، ومعهم طليعة البدريين ، وأهل الرضوان ، والمهاجرون والأنصار ضدّ محاولات الردّة والتحريف والطغيان ، وتسلّط المترفين ، وتحويل الإمامة والخلافة إلى ملكيّة وراثيّة ، ويدافعون عن مبادئ الحق والعدل ، وينادون بكتاب الله وسنّة نبيِّه الكريم (ص) ، مُدافعين عن المستضعفين .. ثمّ كانت مؤامرة الخوارج التي غيّرت مسار التأريخ الاسلامي ، وفتحت الباب أمام خصوم أهل البيت (ع) لممارسة ما كانوا يحملونه من الحقد والعداء الدفين لعليّ وأهل بيته وأتباعه وطليعة المسلمين الأخيار . في ليلة التاسع عشر من شهر رمضان سنة(40)من الهجرة،كان إفطار الإمام عليّ (ع) في بيت زينب(8) ، وهي الليلة التي ضربهُ فيها عبدالرّحمن ابن مُلجِم ، فتوفِّيَ في اليوم الثالث من ضربته(ع)،وتوارى نجمه،وفقدت الاُمّة عليّاً،بل وخسرتهُ الانسانية جمعاء على مرِّ العصور. وهكذا تواجه زينب (ع) فاجعة استشهاد أبيها (ع) على يد الأشرار ، وضرب الخلافة الاسلامية في أعزِّ مواقعها .. وبداية مرحلة جديدة من الصراع والمحن .. لقد استقرّت زينب (ع) مرابطة إلى جنب أخيها الحسن (ع) ، إماماً وخليفة شرعيّاً للمسـلمين بعد أبيه عليّ (ع) ; فقد بايع الناس الحسن بن عليّ (ع) في مسجد الكوفـة ، وراحَ الحسـن (ع) يتهيّأ لمواجهة الموقف الجديد ، فهو يدري ما يضـمرهُ معاوية ويخطِّط له .. ولم يمض من الزمـن إلاّ أشهر قليلة (شهران أو أربعة أشهر) (9) . عبّأ الإمام الحسن (ع) جيشاً قوامه اثنا عشر ألف مقاتِل، ليحسم الموقف مع معاوية المتمرِّد على الخلافة الشرعية في الشـام ، والذي أظهر نواياه المعـبِّرة عن ذلك ، حتى أرسل قوّاتـه إلى الموصل بعد استشهاد عليّ (ع) بثمانية عشر يوماً .. وعلى عادته ، فقد استعمل معاوية الرشاوى والاشاعات الكاذبة ، والإغراء لذوي النفوس الضعيفة .. فاستطاع أن يُمزِّق قوّات الإمام الحسن (ع) بهذا الطريقة ، بعد أن اشترى قائد جيش الحسن (ع) ، عبيدالله ابن عباس ، بمبلغ بخس من المال . وهكذا حصل الانقلاب ، وهوجمَ الحسن في مقرِّ إقامته ، وجُرِحَ في فخذه ، وهو في طريقه إلى الكوفة .. وتوالت الأحداث لغير صالحه .. فرأى من الحكمة أن يُصالح معاوية ما دام حيّاً .. ووقِّعت وثيقة الصّلح وزينب (ع) إلى جنب أخويها الحسن والحسين وزوجها عبدالله بن جعفر ، تشهد تلك الأحداث في الكوفة ، وتُشاركهم الهمّ والأسى والمعاناة .. لم تعد الكوفة صالحة للإقامة فيها .. فقد جمع الحسن (ع) أمره وقرّر العودة إلى المدينة المنوّرة ، فعاد معه أهل بيته جميعاً ، وعادت زينب (ع) وزوجها عبدالله بن جعفر إلى المدينة ، لتستقرّ هناك إلى جوار جدِّها واُمِّها .
|
|