اسم الكتاب: زينب (ع) وفاجعة كربلاء
زينب (عليها السلام) والسياسة الأموية
ويشهد التأريخ أنّ سيِّدات الأرض الكبرى .. خديجة وفاطمة الزهراء وزينب (ع) .. الحفيدة والأم والجدّة الطواهر (ع) وقفن إلى جنب محمّد وعليّ والحسن والحسين (ع) كل في عهدها ، يرفعن لواء الدعوة إلى الله ، وينادين بنصرة المظلومين ، والدفاع عن الحقّ والعدل .. فكن كما هنّ قدوة المرأة في ممارسة العمل السياسي والاجتماعي ، ومناصرة الحق والهدى في أشدّ المواطن . ويشهد التأريخ أنّ المسار الأمـوي كان من أكثر المسارات السياسية مواجهة لمحمّد (ص) وأهل بيته عليّ والحسن والحسين (ع) وأنّ سيِّدات النِّساء خديجة وفاطمة وزينب (ع) كنّ في خط المواجهة للمسار الأموي الذي تمثّل بأبي سـفيان ومعاوية ويزيد .. وتشهد زينب تعسّف السياسـة الأموية وجريمتها بحق آل محمّد (ع) بعد أن شعر معاوية بنشوة النصر بعد الصلح مع الإمام الحسن وتنكّره لما جاء في وثيقة الصلح .. وراح يفرغ ما في نفسه من حقد دفين على علي (ع) وآله (ع) .. عمّم معاوية الأوامر على ولاته وأئمة جمعته بسبِّ عليّ على أعواد المنابر ، وأن يلاحق شيعته وأتباعه على الظنّ والتهمة .. ولا يكتفي معاوية بذلك فهو يخشى إمامي الأمّة الحسن والحسين (ع) في كل حدث ومنعطف ، لذا فلم يكن ليهدأ له بال والحسن (ع) يعيش في المدينة المنوّرة رمزاً شاخصاً ، وإماماً هادياً للأمّة في عاصمتها العلمية مجدها الخالد وموطن الرأي والقرار ومستقر الصحابة ، ووجهة الأنظار السياسية.. لذا راح يخطط للقضاء على الحسن (ع) .. وعلى عادته في التخلّص من الخصوم السياسيين والعقائديين فقد حاول أكثر من ثلاث مرّات اغتيال الإمام الحسن (ع) بدسّ السم إليه ، حتى نجح في ذلك سنة (49) من الهجرة ، واستشهد السبط وتوارى نجمه ، وشهدت زينب (ع) ذلك الحدث المفجع .. وانطـوت الأيام ، وتوالت الأحداث القاسـية مروّعـة لآل محمّد (ع) وأتباعهم ، وراح معاوية يتمادى في ملاحقة أتباع أهل البيت (ع) وتصعيد الهجوم على أبي زينب (ع) عليّ بن أبي طالب (ع) واستمرّ بسب علي (ع) كما استمرّ من بعده بممارسة هذا العمل العدواني الآثم خلفاء بني أميّة حتى مجيء عمر بن عبدالعزيز سنة (99) من الهجرة .. فرفع السب عن علي (ع) . ذكر المؤرِّخـون أنّ معاوية كتب إلى عمّـاله كتاباً يقول فيه : «انظروا من قامت عليه البيِّنة أ نّه يحب عليّاً وأهل بيته ، فامحوه من الديوان ، واقطعوا عطاءه ورزقه ، وشفع ذلك بنسخة أخرى : من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكّلوا به ، واهدموا داره ... »(10) . تلك نماذج من سياسة معاوية مع أهل البيت (ع) وأتباعهم التي عاصرتها زينب (ع) وهي يومها تُلقّب بعقيلة (11) بني هاشـم ، وتقف إلى جنب أخيها الإمام الحسين (ع) تشاطره المحنة ، وتبادله الرأي ، فقد كانت موضع إجلال الإمام الحسين (ع) وتقديره الكبـير ، حتى يروى أ نّها دخـلت عليه يوماً وهو يقرأ القرآن فوضع القرآن وقام إجلالاً لها .. وانقضى عهد معـاوية (عشرون عاماً) من الإرهاب والاضطهاد لآل البيت (ع) وأتباعهم فواجهوها بأعلى درجات الصبر والاحتساب .. فهم يسمعون سب علي (ع) من فوق منابر الجمعة التي شيّدها بجهاده ، ليذكر من فوقها اسم الله ، وتربى الأمّة بمواعظها على العدل والإحسان ، وتهدى إلى سواء السـبيل .. ويرون تقتيل وملاحقة واضطهاد من يحمل في نفسـه الحب والولاء لآل محمّد (ص) حتى عاد حبّهم جريمة يعاقب مقترفها بعد أن جعلها القرآن فريضـة يعاقَب تاركها : (قُل لا أسـألكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القُربى ) ، (ومَن يقترف حسـنة نَزِد لهُ فيها حسناً إنّ الله غفـور شكور ) . ويصف الإمام محمّد بن علي الباقر (ع) تلك المحنة بقوله : «لم نزل أهل البيت نستذل ونستضام ، ونقصى ونمتهن ، ونحرم ونقتل ونخاف ، ولا نأمن على دمائنا ودماء أوليائنا ، ووجد الكاذبون الجاحدون لكذبهم وجحودهم موضعاً يتقرّبون به إلى أوليائهم وقضاة السوء ، وعمال السوء في كل بلدة ، فحدّثوهم بالأحاديث الموضـوعة المكذوبة ، ورووا عنّا ما لم نقلـه وما لم نفعله ليبغّضونا إلى الناس ، وكان عظمُ ذلك وكُبره زمن معاوية بعد موت الحسن (ع) ، فقتلت شيعتنا بكل بلدة ، وقطعت الأيدي والأرجل على الظِّنّة ، وكل مَن يذكر بحبّنا والانقطاع إلينا سُجن أو نُهب ماله أو هُدمت داره ...»(12).
|
|