عالم المرأة

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب: زينب (ع) وفاجعة كربلاء


زينب (عليها السلام) في عهد يزيد بن معاوية

في النصف من رجب سنة(60)للهجرة مات معاوية ، وتولى السلطة من بعده ابنه يزيد .. تسلم السلطة من أبيه وراثة .. فمعاوية هو الذي حوّل الخلافة إلى وراثة ، وكان معاوية قد مهّد الأوضاع بالإرهاب والرشاوى لخلافة ابنه يزيد ، خلافاً للعهد الذي بينه وبين الإمام الحسن بن علي (ع) ، وكان أشد من يخشاه معاوية وابنه يزيد هو الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب ، شقيق زينب (ع) والأمين على العهد من بعد أخيه الإمام الحسن (ع) ، ويعرف يزيد أنّ صحابة الرسول والتابعين ووجوه المهاجرين والأنصار ، وأخيار الأمّة يرفضون تسـلّطه على شؤون الدولة والأمّـة،كما يعرف أن أتباع أهل البيت(ع)والتابعين سيجدون الفرصة للتخلص من الإرهاب الأموي الذي عانوا منه أشدّ المعاناة في عهد أبيه معاوية..
لذا سارع في الكـتابة إلى واليه على المدينة ، الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ، يأمره فيه بأخذ البيعـة من الحسين بن علي (ع) ومن عبدالله بن الزبير . وكان نصّ الكتاب : «إذا أتاك كتابي هذا فأحضر الحسين بن علي ، وعبدالله بن الزبير ، فخذهما بالبيعـة لي ، فان امتـنعا فاضرب أعناقهما ، وابعث لي برؤوسهما ، وخذ الناس بالبيعة ، فمن امتنع فأنفذ فيه الحكم ، وفي الحسين بن علي وعبدالله بن الزبير ، والسلام»(13) .
تسلم الوليد هذه الرسالة المعبّرة عن طبيعة السياسة الأموية ، سياسة الدم والقهر والإرهاب والاستهانة بقيم الإسلام ومبادئه القائمة على أساس الحق والعدل واحترام إرادة الإنسان .. تسلمها ليلاً ، وما أن قرأها حتى أرسل إلى الحسين (ع) يستدعيه للحضور ..
أدرك الحسين بن عليّ ما يريده الوليد منه ، فاحتاط وتهيّأ للأمر ثمّ توجه إلى الاجتماع بالوليد بن عتبة .. تحدّث ابن الأثير عن وقائع هذا الموقف بين الحسين والوليد في المدينة المنوّرة فقال : «فلمّا عظم على الوليد هلاكه((14)) وما أمر به من بيعة هؤلاء النفر ، استدعى مروان فلمّا قرأ الكتاب بموت معاوية استرجع وترحّم عليه ، واستشاره الوليد كيف يصنع قال : أرى أن تدعوهم الساعة وتأمرهم بالبيعة ، فان فعلوا قبلت منهم وكففت عنهم ، وإن أبوا ضربت أعناقهم قبل أن يعلموا بموت معاوية ، فإنّهم إن علموا بموته وثب كل رجل منهم بناحية وأظهر الخلاف ودعا إلى نفسه ، أما ابن عمر فلا يرى القتال ولا يحب أن يلي على الناس إلاّ أن يدفع إليه هذا الأمر عفواً .
فأرسل الوليد عبدالله بن عمرو بن عثمان ، وهو غلام حدث ، إلى الحسين وابن الزبير يدعوهما ، فوجدهما في المسجد وهما جالسان ، فأتاهما في ساعة لم يكن الوليد يجلس فيها للناس فقال : أجيبا الأمير . فقالا : انصرف ، الآن نأتيه . وقال ابن الزبير للحسين : ما تراه بعث إلينا في هذه الساعة التي لم يكن يجلس فيها ؟ فقال الحسين : أظن أنّ طاغيتهم قد هلك فبعث إلينا ليأخذنا بالبيعـة قبل أن يفشـو في الناس الخبر . فقال : وأنا ما أظنّ غيره ، فما تريد أن تصنع ؟ قال الحسين : اجمع فتياني الساعة أمشي إليه وأجلسهم على الباب وادخل عليه . قال : فإنِّي أخافه عليك إذا دخلتَ . قال : لا آتيه إلاّ وأنا قادر على الامتناع .
فقام فجمع إليه أصـحابه وأهل بيـته ثمّ أقبل على باب الوليد وقال لأصحابه : إنِّي داخلٌ فإذا دعوتكم أو سمعتم صوتي قد علا فادخلوا عليّ بأجمعكم وإلاّ فلا تبرحـوا حتى أخرج إليكم . ثمّ دخل فسلّم ، ومروان عنده ، فقال الحسين : الصلة خير من القطيعة ، والصلح خير من الفساد ، وقد آن لكما أن تجتمعا ، أصلح الله ذات بينكما ; وجلس ، فأقرأه الوليدُ الكتابَ ونعى له معاوية ودعاه إلى البيعة ، فاسترجع الحسين وترحّم على معاوية ((15)) وقال : أمّا البيعة فإن مثلي لا يبايع سرّاً ولا يُجتَزأُ بها منِّي سرّاً ، فإذا خرجت إلى الناس ودعوتَهم للبيعة ودعوتنا معهم كان الأمر واحداً ، فقال له الوليد ، وكان يحبّ العافية : انصرف . فقال له مروان : لئن فارقك الساعة ولم يُبايع لا قدرتَ منه على مثلها أبداً حتى تكثر القتلى بينكم وبينه ، احبسه فإن بايع وإلاّ ضربتَ عنقه . فوثب عند ذلك الحسين وقال : ابنَ الزرقاء أ أنت تقتلني أم هو ؟ كذبت والله ولؤمتَ ! ثمّ خرج حتى أتى منزله .
فقال مروان للوليد : عصيتَني، لا والله لا يمكنك من نفسه بمثلها أبداً ... (16)فقال الوليـد : ويح غيرك يا مروان ، والله ما أُحبّ أنّ لي ما طلعـت عليه الشمس وغربت عنه من مال الدنيا وملكها وإنِّي قتلت الحسـين إن قال لا أبايع ، والله إنِّي لأظنّ أن امرأً يحاسب بدم الحسين لخفيف الميزان عند الله يوم القيامة ، قال مروان : قد أصبت ، يقول له هذا وهو غير حامد له على رأيه»(17) .
وهـكذا كان الإمام الحسـين (ع) يُخطِّط لتضـييع الفرصـة على القرار الأموي ، وكسب مزيد من الوقت للتحرك والانطلاق في مشروعه الكبير الهادف إلى تحريك الأمّة لانقاذها من القبضة الأموية ، ومن سلطة يزيد بن معاوية .. وما أن انقضت تلك الليلة ، وبدأ يوم جديد بإرسال الوليد إلى الإمام الحسين (ع) في آخر النهار يطلب منه البيعة ، فقال لهم الحسين (ع) : «اصبحوا وترون ونرى ، فكفوا تلك الليلـة عنه ، فخرج ليلة الأحد ، متوجهاً نحو مكّة ، ومعه بنوه ، وبنو أخيه الحسن وإخوته ، وجلّ أهل بيته إلاّ محمّد بن الحنفية ، فإنّه لم يدر أين يتوجّه وشيّعه وودّعه ... »(18) .
سار الحسين (ع) باتجاه مكّة ، وراح يغذّ السير حتى وصلها في اليوم الثالث من شعبان سنة (60) من الهجرة ، استقر هناك وبدأت الاتصالات والمراسلات والمفاوضات مع الشخصيات الموالية لآل البيت في العراق ، وكانت الكوفة عاصمة الولاء آنذاك ومعسكر الأنصار لآل محمّد (ع) ، ولما رأى الحسـين (ع) إقبال الناس بعث مسلم بن عقيل بن أبي طالب إلى الكوفة ليأخذ البيعة للإمام الحسين (ع) ويكون مركزاً فعلياً للقيادة ، ويهيِّئ الظروف والأوضاع لقدوم الحسين (ع) ..
إنطلق مسلم بن عقيل ووصل الكوفة واجتمع الناس من حوله فبايعه ثمانية عشر ألفاً ، فكتب إلى الحسين (ع) بذلك يطلب منه القدوم إلى الكوفة، وصل الطلب إلى الحسين (ع) وبدأ الحسين يتأهّب للرحيل والانطلاق نحو الكوفة ، وقرّر أن يكون يوم الثامن من ذي الحجّة هو يوم انطلاق من مكّة إلى الكوفة ، توجه في ذلك اليوم نحو الكوفـة مخافة أن يقتله الأمويون في حرم مكّة فيهتكوا حرمة البيت الحرام والأشهر الحـرام ، غير أنّ الكوفـة نكصت على أعقابها ، وتمكّن عبيدالله بن زياد والي الكوفـة من اختراق التكـتّل القائم من حول مسلم وتمزيقه وتشتيته حتى انفرد بمسلم بن عقيل وهانئ بن عروة ، من أبرز قادة المعارضة في الكوفة ، وقتلهما في أوائل ذي الحجّة .
ويذكر بعض المؤرِّخين أنّ الإمام الحسين (ع) بعد أن استقر في مكّة ، أرسل من يأتي بالنساء والأطفال من المدينة ، وكان في مقدّمة من التحق أخته المجاهدة زينب الكبرى (ع) .. سار الحسين (ع) مستجيباً لنداء الأمّة المضطهدة ، واستغاثة المظلومين ، وهو يعلن عن منهاج ثورته : «اللّهمّ إنّك تعلم انّه لم يكن الذي كان منّا منافسـة في سلطان ، ولا التماس شيء من فضول الحطام ، ولكن لنرد المعالم من دينك ، وتُقام المعطّلة من حدودك ، ويأمن المظلومون من خلقك» .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com