قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: زينب (ع) وفاجعة كربلاء
إلى كربلاء
وسار الركب وسارت زينب (ع) وفي قلبها الآلام ، فقد عاشت التجربة السياسية الطويلة مع أبيها وأخيها الحسن ، وحنّكتها الأحداث والمواقف ، وها هي قد بلغت الخامسة والخمسين من عمرها المبارك .. ولم تكن صورة الأحداث ، ومواقف الكوفة والسلطة الأموية بغائبة عنها ، ولكنّها تعلم أنّ الإمام الحسين لم يكن لينطلق في هذه المهمّة الكبرى إلاّ كمنقذ ورائد ، وطليعة فداء للعقيدة ومبادئ الحق والعدل ، وانّه عزم على تحمل المسؤولية ، رغم ما يعلم ، فبين جنبيه سر لا يبوح به .. وما انتهت إليه الأوضاع من الظلم والجور وغياب مبادئ الشريعة عن العمل والتطبيق ، وتداعي قوى المعارضة تتطلّب موقفاً كموقف الحسين (ع) لذا كان يعتذر عن الاستجابة لاقتراحات المشفقين والخائفين من نتائج المواجهة ، كعبدالله بن عباس وعبدالله بن جعفر ، زوج زينب (ع) وكثير غيرهما .. كان يعتذر عن التراجع عن مشروعه الكبير والابتعاد عن مواجهة الظلم والطغيان .. وحين رأى عبدالله بن جعفر ، زوج زينب ، أنّ الحسين (ع) مصر على ما عزم عليه من المسير إلى العراق ، وها هو قد ركب الطريق وانطلق سائراً باتجاه الهدف الكبير .. عندما رأى عبدالله بن جعفر ذلك كتب إليه كتابه وبعث به مع ولديه ، أحدهما ابن زينب (ع) يطلب فيه من الحسين (ع) العدول عن رأيه .. جاء في الكتاب : «أمّا بعد فإنِّي أسائلك بالله لما انصرفت حين تنظر في كتابي فإنِّي مشفق عليك من الوجه الذي توجهت له أن يكون فيه هلاكك ، واستئصال أهل بيتك ، وإن هلكت اليوم طفئ نور الأرض ، فإنّك علم الهدى ورجاء المؤمنين ، ولا تعجل بالمسير ، فإنِّي في أثر كتابي والسلام»(19) . وبعد أن أرسل عبدالله بن جعفر كتابـه ، توجّه إلى أمير مكّة عمرو بن سعيد بن العاص ، وطلب منه أن يكتب للإمام الحسين كتاباً يضمنه الأمان ليرجع عن قرار الخروج إلى العراق .. استجاب عمرو بن سعيد بن العاص، وكتب الكتاب ، وحمل الكتاب عبدالله بن جعفر ، ومحمّد بن سـعيد ، أخو عمرو بن سعيد ، وانطلقا يحثّان السير نحو الحسين (ع) وهو في أوّل المسير ، فالتقياه وحدثاه طويلاً ، وطلبا منه العودة ، غير أنّ الحسين (ع) قال : «إنِّي رأيت رسول الله (ص) في المنام ، وأمرني بما أنا ماض له ، قالا له : فما تلك الرؤيا ؟ فقال : ما حدّثت بها أحداً ، ولا أحدِّث حتى ألقى ربّي عزّ وجلّ ، فلمّا يئس عبدالله بن جعفر منه أمر ابنيـه : عوناً ومحمّداً بلزومه ، والسير معه والجهاد دونه ، ورجع هو ويحيى بن سعيد إلى مكّة ، وتوجه الحسين نحو العراق ... »(20) . وهكذا انطلق الركب متوجهاً إلى كربلاء ، وفي الركب زينب (ع) وولدها عون وأخوه لأبيه محمّد بن الخوصاء إلى جنب الحسين في مسيره وأهدافه .. وتواصل المسير والحسين يتلقى الأخبار ، وما يحدث في الكوفة .. وكان أسوأ الأنباء وأشدّها ألماً ما بلغه من نكوص في الكوفة ، ونقض البيعة ، ومقتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة ، من أبرز قادة المعارضة الموالين لأهل البيت (ع) على يد عبيدالله بن زياد والي الكوفة .. وتواصل المسير والحسين (ع) يقرأ في أفق الأحداث والنتائج، ما ستؤول إليه الأمور .. فالأنباء تتوارد عليه سيِّئة لا تبعث على الأمل .. وعبيدالله بن زياد قد استولى على الكوفة عاصمة البيعة لآل محمّد (ع) .. فهو إذاً مقبل على غير ما كان الانطلاق يوحي به ، لذا خاطب من كان معه من أصحابه وأهل بيته ومن التحق به في الطريق .. خاطبهم بقوله : «أمّا بعد فإنّه قد أتانا خبر فظيع:قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة وعبدالله بن يقـطر(21)،وقد خذلنا شـيعتنا،فمَن أحـبّ منكم الإنصراف فلينصرف في غير حرج ، فليس عليه ذمام ، فتفرق الناس عنه وأخذوا يميناً وشمالاً حتى بقي في أصحابه الذين جاؤوا معه من المدينة ، ونفر يسير ممّن انضمّوا إليه ، وإنّما فعل ذلك لأنّه(ع)علم أنّ الأعراب الذين اتبعوه إنّما اتّبعوه وهم يظنّون انّه يأتي بلداً قد استقامت له طاعة أهله فكره أن يسيروا معه»(22). انّه يريد أن يمحص الناس كما يريد أن يحقق الأهداف الإسلامية العليا آخذاً بنظر الاعتبار احتمالات المواقف العسكرية والسياسية ; لذا فهو لا يريد أن يدخل الآخرين معركة غير متكافئة عسكرياً .. أما هو (ع) فله شأن آخر في هذه الفترة من تأريخ الأمّة .. لقد أصبح الحسين(ع)على مقربة من كربلاء .. وها هو الحر بن يزيد الرياحي أحد قادة الجيش الأموي قادماً من القادسية يعترض طريق الحسين(ع)بألف فارس..ويضايقه في المسير لينفذ أوامر عبيدالله بن زياد بمضايقة الحسين(ع)ثمّ يدخله الكوفة،ويقوم بتسليمه إلى عبيدالله بن زياد. لقد انتهر الحسين (ع) الحر وأبى الاسـتجابة للمضايقة ، وخاطبه بإباء وشموخ : «أفبالموت تخوفني ، وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني ، وسأقول كما قال أخو الأوس لابن عمّه،وهو يريد نصرة رسول الله(ص)فخوفه ابن عمّه،وقال : أين تذهب فإنّك مقتول ، فقال : سأمضي وما بالموت عار على الفتى***إذا ما نوى حقاً وجاهد مسلما وواسى الرجال الصالحين بنفسه***وفارق مثبوراً وخالف مجرما فإن عشتُ لم أندم وإن متُّ لم أُلمْ***كفى بك ذُلاًّ أن تعيش وتُرغما» (23) استمع الحر (24)إلى إصرار الحسين (ع) وقراره هذا فتنحى عنه ، وظل يسايره ويرقب مسيره فقد اُمر أن لا يفارقه . وسار الحسين بتلك العزيمة والإرادة التي لا يثنيها ترهيب ولا ترغيـب .. وتواصل سـيره حتى حطّ رحله في موضع يدعى بقصر بني مقاتل .. استراح الركب وتزوّد بالماء في هذا المكان ، ثمّ انطلق الحسـين (ع) ليلاً وسار ممتطياً صهوة جـواده ، وفي الطريق غشيته غفوة ، ثمّ انتبه وهو يقول : «إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، والحمد لله ربّ العالمين ، ففعل ذلك مرّتين أو ثلاثاً ، فأقبل ابنه علي بن الحسين (ع) فقال : ممّ حمدت الله ربّ العالمين ، واسترجعت ؟ فقال : يا بني إنِّي خفقت خَفقة فعنّ لي فارس ، وهو يقول : القوم يسيرون ، والمنايا تسير إليهم ، فعلمت أ نّها أنفسنا نعيت إلينا ، فقال له : يا أبه لا أراك الله سوءاً ألسنا على الحق ؟ قال : بلى والذي إليه مرجع العباد ، قال : فإنّنا إذاً لا نبالي أن نموت محقِّين ، فقال له الحسين : جزاك الله من ولد خَيرَ ما جزى ولداً عن والده» (25) . وتواصل المسـير والركب والأهداف والمنايا يجمعها القـدر من حول الحسين (ع) حتى أطلّ الصبح ، صبح اليوم الثاني من محرّم ، سنة (61) من الهجرة فحطّ الحسين (ع) رحله وأدّى صلاة الصبح ، ثمّ ارتحل الركب ، وسار آل محمّد (ع) ومن معهم من الأصحاب ، والحر ملازمهم في المسير . وعلى مقربة من قرى الفرات : نينوى والغاضرية وشفية ، تصل أوامر عبيدالله بن زياد إلى الحر : «أمّا بعد فجعجع بالحسين حين يبلغك كتابي ، ويقدم عليك رسولي ، ولا تنزله إلاّ بالعراء في غير خضر وعلى غير ماء ، فقد أمرت رسـولي أن يلازمك ، ولا يفارقك حتى يأتيني بإنفاذك أمري ، والسلام»(26) .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|