عالم المرأة

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب: زينب (ع) وفاجعة كربلاء


الهجوم على مخيّم الحسين (عليه السلام)

ويصور المؤرِّخون ذلك المشهد المفجع .. مشهد الهجوم على مخيم زينب، بعد مقتل الحسين ، وليس فيه إلاّ النسوة والصبية والصغار وعليّ بن الحسين (ع) (44) .
فلنقرأ تقرير الهجوم ، كما رواه حميد بن مسلم ، أحد عناصر الجيش الأموي : قال الشيخ المفيد راوياً ذلك التقرير : «وانتهبوا رحله ، وإبله وأثقاله ، وسلبوا نساءه .
قال حميد بن مسلم : والله لقد كنت أرى المرأة من نسائه وبناته وأهله تنازع ثوبها عن ظهرها حتى تغلب عليه ، فنذهب به منها ، ثمّ انتهينا إلى علي بن الحسين (ع) وهو منبسط على فراشه مريض ، ومع شمر جماعة من الرجالة فقالوا : نقتل هذا العليل ، فقلت : سبحان الله ، أنقتل الصبيان ؟ وهذا صبي ، وانّه لما به ، فلم أزل بهم حتى دفعتهم عنه .
وجاء عمر بن سعد فصاحت النِّساء في وجهه ، وبكين ، فقال لأصحابه : لا يدخل منكم أحد بيوت هؤلاء النِّساء ، ولا تتعرضوا لهذا الغلام المريض ، فسألته النسوة أن يسترجع ما أخذ منهنّ ليستترن به ، فقال : من أخذ من متاعهنّ شيئاً فليرده ، فوالله ما ردّ أحد منهم شيئاً ، فوكل بالفسطاط ، وبيوت النِّساء وعلي بن الحسين جماعة ممّن كانوا معه ، فقال : احفظوهم لئلاّ يخرج منهم أحد ولا تسوؤن إليهم ... »(45) .
لنقف مع زينب ، بل لنقف مع النبيّ وعلي وفاطمة نشاطرهم الأسى ، ونواسي الرسول (ص) . لنقف أمام ذلك المنظر المروّع ، ولنتصور المشهد بكل أبعاده .. الحسين مجزر .. وإخوته وأبناؤه وأهل بيته مجزرون جزر الأضاحي ، يملأون الميدان على مقربة من المخيم .. منظر الدم وقعقعة الجيش وحمحمة الخيل ، ورعب ضجيجه . وهو يزحف بحقد ووحشية ليهاجم ما أبقت النار من المخيم ، وليس فيه إلاّ النساء والصبيان .. وزينب كبيرة البيت النبوي تواجه كل تلك الفاجعة ، وذلك الخطب الجلل .. الجيش الأموي يقتحم مخيم النساء .. يضرب ويسلب وينهب ويرعب ..
تلك صـورة الموقف الرهيب شـاهدها الشريف الرضي بعد أكثر من ثلاثة قرون فصورها لوحة شعرية خالدة ، لننقل منها بعض ما جادت به مشاعر هذا الشاعر الكبير ، فلعلّه كان مشاطراً لزينب بعض آلامها .. أنشد مصوراً يوم رسول الله بلوعة ومودّة :
كربلاء لا زلتِ كرباً وبَلا***ما لَقي عندك آل المصطفى
كم على تربك لمّا صرّعوا***من دم سالَ ومن دمع جرى
كم حَصان الذّيل يروي دمعها***خدّها عند قتيل بالظما
وتنوش الوحش من أجسادهم***أرجل السِّبقِ وأيمان النَّدى
يا رسول الله لو عاينتهم***وهم ما بين قتل وسِبا
لرأت عيناك منهم منظراً***للحشا شجواً وللعين قَذى
ليس هذا لرسول الله يا***أمة الطغيان والبَغي جَزى
غارس لم يألُ في الغرس لهم***أذاقوا أهله مرَّ الجنا
جزّروا جزر الأضاحي نسلَه***ثمّ ساقوا أهلَه سوقَ الإما
يا قتيلاً قوّضَ الدّهـر به***عمدَ الدين وأعلام الهدى
قتلوه بعد عِلم منهم***أ نّه خامس أصحاب العَبا
وا صريعاً عالج الموت بلا***شد لحيين ولا مدِّ ردى
حملوا رأساً يصلّون على***جدّه الأكرم طوعاً وإبا
ينادي بينهم لم ينقضوا***عمم الهام ولا حلوا الحبا
هَبّت ، تبكي له فاطمة***وأبوها وعليّ ذو العلا
لو رسول الله يحيا بعده***قعد اليوم عليه للعزى
ويتواصل فيض الأسى شعراً يتدفّق من قلب شاعر مُعنّىً بالأسى ولوعة الحزن فينشد :
هي الدار لا شوقي القديم بناقص***إليها ولا دمعي عليها بجامد
ولي كبد مقروحة لو أضاعها***من السقم غيري ما بغاها بناشد
تأوّبني داءٌ من الهمّ لم يزل***بقلبي حتى عادني منه عائدي
تذكرت يوم السبط من آل هاشم***وما يومنا من آل حرب بواحد
ويقف هذا الشاعر المتفاني في حب آل محمّد (ع) مرّة أخرى إلى جنب زينب يشاطرها اللوعة ، وهو يذوب أسى وعذاباً فينشد :
ظمآن سلّى نجيع الطعن غلته***عن بارد من عباب الماء مقرور
كأنّ بيض المواضي وهي تنهبه***نار تحكّم في جسم من النور
لله ملقىً على الرمضاء غص به***فم الرّدى بعد إقدام وتشمير
تحنو عليه الربى ظلاً وتستره***عن النواظر أذيال الأعاصير
تهابه الوحش أن تدنو لمصرعه***وقد أقام ثلاثاً غير مقبور
ما لي تعجّبت من همّي ونفرته***والحزن جرح بقلبي غير مَسبور
بأيّ طرف ارى العلياء إن نَضُبت***عيني ولَجلَجت عنها بالمـعاذير
ألقى الزمان بِكَلم غير مُندمِل***عمر الزمان وقلب غير مسرور
يا جدُّ لا زال لي همٌّ يُحرِّضني***على الدموع ووجد غير مقهور
الدمع تَخفرُه عينٌ مؤرقة***خفر الحنية عن نزع وتوتير
انّ السلو لمحظور على كبدي***وما السلو على قلب بمحظور

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com