قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: زينب (ع) وفاجعة كربلاء
المواجهة الإعلاميّة
أدركت السلطة الأموية الغاشمة عظم الجريمة التي أقدمت عليها ، فقد قتلت إماماً عظيماً من أئمة المسلمين ، وهو ابن بنت رسول الله (ص) وأ نّها اقترفت الجريمة على مقربة من الكوفة عاصمة أهل البيت ، وبلد الولاء لهم ، وكانوا قد بايعوا الحسين (ع) قبل شهور .. شعر عبيدالله بن زياد بخطر الرأي العام الشعبي المكبوت الذي انطلق على شكل معارضة حادة في قصر الإمارة من صاحب رسول الله ، زيد بن أرقم ، ثمّ تحول إلى ثورات على امتداد العالم الإسـلامي .. بل لقد أسقط الحسين فيما بعد دولة الأمويين ، رغم بقائها عقوداً من الزمن بعد شهادته ، فقد انطلقت كلّ الثورات ضدّ الحكم الأموي باسم الحسين ، وباسم أهل البيت النبوي المضطهدين.. لقد تركت مأساة كربلاء جرحاً عميقاً في ضمير الأمّة لا يندمل .. شعر عبيدالله بن زياد انّه بحاجة إلى العمل الإعلامي المضاد للحسين ولثورة الحسين (ع) والتغطية على الجريمة التي ارتكبها هو وأسياده الطغاة ، كما شعر انّه بحاجة إلى مزيد من الإرهاب ونشر الذعر والخوف للسيطرة على الموقف .. بدأت المواجهة في قصر الإمـارة عندما جلس عبيدالله بن زياد في مجلسه ، وأذن للناس إذناً عامّاً بدخول القصر ، ليشهدوا ما حسبه نصراً وغلبة ، ثمّ أحضر رأس الحسين وراح يتبسّم ، ويملأ نفسه الشريرة بالفرح ويعبِّر عن حقده بضرب ثنايا الحسين(ع)بقضيب كان بيده. نظر زيد بن أرقم صاحب رسول الله(ص)إلى ما يفعل عبيدالله بن زياد برأس الحسين سبط النبيّ(ص)وهو جالس إلى جنبه فاستشاط غضباً،وزجره قائلاً:«ارفع قضيبك عن هاتين الشفتين،فوالله الذي لا إله غيره ، لقد رأيت شفتي رسول الله عليهما ما لا أحصيه ، ثمّ انتحب باكياً ، فقال له ابن زياد : أبكى الله عينك ، أتبكي لفتح الله ، ولولا انّك شيخ قد خرفت ، وذهب عقلك لضربت عنقك ، فنهض زيد بن أرقم من بين يديه وصار إلى منزله ... »(47) . في هذه المرحلة بدأ دور زينب لإكمال رسالة الثورة التي قادها الحسين ، ووهبها دمه وروحه الطاهر لإنقاذ الأمّة والرسالة ، ولاستئصال جذور الردة والطغيان .. بدأ دور زينب (ع) الإعلامي في التعريف بالثورة وبمظلومية أهل البيت (ع) وإيقاظ الرأي العام وتحريكه ضدّ الطغاة المتسلطين .. لقد خرجت الكوفة عن بكرة أبيها لمشاهدة السبايا القادمين ، فلمّا عرف الناس أ نّهم سبايا أهل بيت محمّد (ع) ارتفعت الأصوات بالبكاء والنحيب وندبوا الحسين وأهل الحسين .. نظرت زينب إلى هذا الجمع الهائل المحتشد فانبرت خطيبة فصيحة فصاحة أبيها علي (ع) .. تحدّث الرّواة عن ذلك الموقف الخالد لزينب (ع) .. الموقف الذي جسّد دور المرأة المسلمة ، وبمستوى زينب سيِّدة أهل البيت النبوي يومها ، جسّد دور المراة في السياسة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومقاومة الطغيان والفساد .. وقفت زينب خطيبة في تلك الجموع الحاشدة بعد أن أومأت إلى الناس أن اسكتوا فسكتوا .. انطلقت في خطابها مقرِّعة الجبناء المتخاذلين عن نصرة الحسين (ع) معرّفة بمقام آل البيت فقالت : «الحمد لله ، والصلاة على محمّد وآله الطيّبين الأخيار ، أمّا بعد يا أهل الكوفة ، يا أهل الخَتْل(48) والغدر ، أتبكون ؟ فلا رقأت الدّمعة ، ولا هدأت الرنّة ، إنمّا مثلكم(49) كمثلِ التي نقضَت غزلها من بعد قوّة أنكاثاً ، تتخذون أيمانكم دخلاً (50) بينكم ، ألا وهل فيكم إلاّ الصّلف(51) والنطف والكذب(52)والشنف(53)، وملق الإماء، وغمز الأعداء؟ أو كمرعى على دمنة(54)، أو كفضّة على ملحودة ، ألا ساء ما قدّمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم ، وفي العذاب أنتم خالدون . أتبكون وتنتحبون ؟ إي والله فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً ، فلقد ذهبتم بعارها وشنارها ، ولن ترحضوها بغسل بعدها أبداً ، وأنّى ترحضون قتل سليل خاتم النبوّة، ومعدن الرسالة، وسيِّد شباب أهل الجنّة، وملاذ خيرتكم، ومفزع نازلتكم ، ومنار حجّتكم ، ومدره سنتكم ، ألا ساء ما تزرون ، وبعداً لكم وسحقاً ، فلقد خاب السعي ، وبُتّت الأيدي ، وخسرت الصفقة ، وبُؤتم بغضب من الله ، وضربت عليكم الذلّة والمسكنة . ويلكم يا أهل الكوفة ، أتدرون أيّ كبد لرسول الله فريتم ، وأي كريمة له أبرزتم ، وأي دم له سفكتم ، وأي حرمة له انتهكتم ؟ لقد جئتم بها صلعاء عنقاء ، سوداء فقماء ، خرقاء شوهاء ، كطلاع الأرض ، أو املاء السماء ، أفعجبتم أن أمطرت السماء دماً ولعذاب الآخرة أخزى وأنتم لا تنصرون ، فلا يستخفّنكم المهل ، فانّه لا يحفزه البدار ، ولا يخاف فوت الثأر ، وانّ ربّكم لبالمرصاد . قال الراوي : فوالله لقد رأيت الناس يومئذ حيارى يبكون ، وقد وضعوا أيديهم في أفواههم ، ورأيت شـيخاً واقفاً إلى جنبي يبكي حتى اخضلت لحيته بالدمـوع ، وهو يقول : بأبي أنتم وأمّي كهولكم خير الكهول ، وشبابكم خير الشباب ، ونساؤكم خير النِّساء ، ونسلكم خير النسل ، لا يخزى ولا يبزى»(55) . وسار موكب زينب(ع)حتى أدخلت ومن معها من عيال الحسين قصر الإمارة،انحازت زينب في جانب من القصر،وحولها لُمّة من نسائها..نظر ابن زياد إلى زينب(ع)فلم يعرفها .. وجّه ابن زياد سؤاله نحو زينب قائلاً : «مَن هذه المرأة المنحازة في ناحية من القصر» . فلم تجبه زينب احتقاراً له ، واستهانة به ، ثمّ كرر السؤال ثانية فلم تجبه .. أجابت بعض نسائها الجالسات من حولها : «هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول الله (ص) » . لقد استفز التعريف نفسه الشريرة ، فأراد أن يتشفّى من آل محمّد (ع) بكلمات الشماتة والعدوان ، فقال لها : «الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم ، وأكذب اُحدوثتكم»(56) . فقالت زينب (ع) : «الحمد لله الذي أكرمنا بنبيّه محمّد (ص) وطهّرنا من الرِّجس تطهيراً ، إنّما يفتضح الفاسق ، ويكذب الفاجر ، وهو غيرنا ، والحمد لله»(57) . لم يكتف ابن زياد بذلك بل أراد أن يتشفّى منها بنكء جراحها ، والشماتة بها ، فقال لها : «كيف رأيت فعل الله بأهل بيتك ؟ قالت : كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم ، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاجون إليه ، وتختصمون عنده»(58) . وقعت كلمات زينـب (ع) وقع الصاعقة على رأسه ، فاستشاط غضباً ، فقال لها ابن زياد : «قد شفى الله نفسي من طاغيتك ، والعُصاة من أهل بيتك ... »(59) . رَقّت زينب وبكت ، وقالت له : « لعـمري ، لقد قتلـتَ كهلي ، وأبّرتَ أهلي ، وقطعتَ فرعي ، واجتثثتَ أصلي ، فإن يشفك هذا فقد شفيت »(60) . شعر ابن زياد بالهزيمة أمام زينب (ع) ولم يسـتطع النّـيل من صبرها ، وعزّة نفسها ، وصـلابة موقفها وتفوّق منطـقها ، فقال : «هذه سـجّاعة ، ولعمري لقد كان أبوها سجّاعاً شاعراً ...» ، لم تتركه زينب دون أن تسكته مرّة أخرى ، فقالت له : «ما للمرأة والسّجاعة ، إنّ لي عن السّجاعة لشغلاً ، ولكن صدري نفث لما قلت»(61) . أسكتته زينب (ع) فتحول يسأل علي بن الحسين السجّاد (ع) ، بعد أن عُرض عليه ، فقال لعليّ بن الحسين : «مَن أنت ؟ » . قال عليّ بن الحسين : «أنا عليّ بن الحسين» . قال ابن زياد : «أولم يقتل الله عليّ بن الحسين» . فقال السجّاد : «كان لي أخ يُسمّى عليّاً قتله الناس» . فقال ابن زياد : «بل الله قتله» . قال عليّ بن الحسين : « (اللهُ يَتوفّى الأنفُس حِينَ موتِها ) » . غضب ابن زياد من ردّ عليّ (ع) عليه ، وإسقاط محاولاته المفضوحة للتغطية على الجريمة . فقال لعليّ : «وبك جرأة لجوابي ، وفيك بقيّة للرّد عليَّ . اذهبوا فاضربوا عنقه ، فتعلقت به زينب عمّته ، وقالت : يا ابن زياد ، حسبك من دمائنا ، واعتنقته وقالت : والله لا أفارقه فإن قتلته فاقتلني معه ، فنظر ابن زياد إليها وإليه ، ثمّ قال : عجباً للرحم ، والله إنِّي لأظنّها ودّت أنِّي قتلتها معه . دعوه فإنِّي أراه لما به ... »(62) . انتهت تلك المواجهة الإعلامية ، والمعركة الصاخبة بين زينب وعبيدالله ابن زياد في قصر الإمارة .. تجلّت فيها شجاعة زينب ، وتحديها للطاغوت ، ورفضها للجريمة البشعة التي أقدم الطغاة عليها ، ثمّ انّ ابن زياد انتقل إلى المسجد وصعد المنبر ، ونال من الحسين وأبي الحسين (ع) ، فقال : «الحمد لله الذي أظهر الحق وأهله ، ونصر أمير المؤمنين يزيد وحزبه ، وقتل الكذّاب ابن الكذّاب وشيعته ... » . سمع عبدالله بن عفيف الأزدي هذا العدوان على آل البيت النبوي فوثب إليه ، وكان ضريراً قد ذهبت إحدى عينيه يوم الجمل مع علي ، والأخرى بصفين معه أيضاً ، وكان لا يفارق المسجد يصلي فيه إلى الليل ثمّ ينصرف ، فلمّا سمع مقالة ابن زياد ، قال : يا ابن مرجانة ! إنّ الكذّاب ابن الكذّاب أنت وأبوك، والذي ولاّك وأبوه.. يا ابن مرجانة أتقتلون أبناء النبيين ، وتتكلمون بكلام الصديقين ؟ فقال : عليَّ به . فأخذوه ، فنادى بشعار الأزد : يا مبرور ! فوثب إليه فتيـة من الأزد فانتزعوه ، فأرسل إليه من أتاه به فقتله ، وأمر بصلبه في المسجد ، فصلب ، رحمه الله»(63) . وانتهى ذلك اليوم والكوفة تموج بالندم والبكاء من عموم الناس وممّن يوالون أهل البيت (ع) وقد غلبوا على أمرهم ، كما كانت الأحقاد تتفجر في قلب عبيدالله بن زياد وحزبه على الحسين حتى بعد مقتله .. لقد أصبحت أجواء الكوفة ثورة إعلامية صاخبة على الحكم الأموي .. أدواتها الدموع والندم والسخط على الطغاة القتلة ، ولكي يزرع الحكم الأموي مزيداً من الرّعـب والإرهاب أمر عبـيدالله بن زياد بأن يُطاف برأس الحسـين (ع) ورؤوس أصحابه سكك الكوفة ، وهي مرفوعة فوق الرماح(64) .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|