قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: زينب (ع) وفاجعة كربلاء
إلى الشـام
ولم ينته حقد الأمويين والجلاوزة المنفذين لأوامرهم ، لم ينته حقدهم وجريمتهم ضدّ آل محمّد (ع); فقد أرسلوا برأس الحسين(ع) ورؤوس أصحابه وأهل بيته إلى الشام ليطلع عليها يزيد بن معاوية .. وتراكمت المأساة على آل محمّد (ع) وتسير زينب (ع) والنساء والصبية وعلي بن الحسين في هذا الموكب المرعب .. نسوة وأطفال سبايا يحيط بهم الجند وأمام الموكب تتقدّم رؤوس الآباء والأبناء والإخوة والأحبّة على أسنة الرماح ، وهم ينظرون إليها ، وعلي بن الحسين قد غلّت يداه إلى عنقه بغلّ من حديد(65) ، والجميع محمولون على الأقتاب .. أيّة مأساة في تأريخ الإنسان أفجع من تلك المأساة .. وأي موقف عظيم هذا الذي وقفه الحسين (ع) ضد تلك الزمرة الباغية .. لم تنتصر السيوف التي قطعت أوصال الحسين ، ولا الرماح التي حملت الرؤوس ، ولكن انتصر الحسين (ع) وتألق مجده وخلدت ثورته مشعلاً يضيء الدرب للسائرين ، ومعلماً للأجيال ، وثورة على الطغاة في كلّ زمان . دخل موكب الرؤوس إلى الشام ، وفيه زينب وعلي بن الحسين ، ومن معهم من صـبية ونساء .. كان الناس في عيد وفرح ، مضـللين بالدعاية الأموية الآثمة التي صوّرت لهم نصراً حققه يزيد على خصومه الثائرين عليه ، أمّا من هم هؤلاء الخصوم فتلك مسألة عتمت على الرأي العام في دمشق . وفي الطريق ، الموكب يسير في سكك العاصمة الأموية ، والناس يتجمهرون للنظر إلى الرؤوس المحمـولة على أسـنة الرماح والسبايا على أقتاب الإبل .. اكتشف الناس أنّ القتيل الشهيد هو سيِّد أهل البيت (ع) وأهله وأصحابه ، هؤلاء السبايا هم سبايا آل محمّد .. حدث هذا الإيضاح من خلال الحوار الذي جرى بين الإمام علي بن الحسين (ع) وبين شيخ كان يرقب هذا الموكب المفجع ، فقال : «الحمد لله الذي قتلكم وأهلـككم وأراح البلاد من رجالكم وأمكن أمير المؤمنـين منكم ، فقال له علي بن الحسين (ع) : يا شيخ ، هل قرأت القرآن ؟ قال : نعم ، قال : فهل قرأت هذه الآية (قُل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القُربى ) ؟ قال الشـيخ : نعم ، قد قرأت ذلك ، فقال علي (ع) له : فنحن القربى يا شيخ ، فهل قرأت في بني إسرائيل : (وآتِ ذا القُربى حقّه ) ؟ فقال الشيخ : قد قرأت ، فقال علي بن الحسين : فنحن القربى يا شيخ ، فهل قرأت هذه الآية: (واعلموا أ نّما غنمتُم مِن شيء فأنّ للهِ خُمسه وللرّسول ولذِي القُربى ) ؟ قال : نعم ، فقال له علي (ع) : فنحن القربى يا شيخ ، فهل قرأت هذه الآية : (إنّما يُرِيد الله ليُذهبَ عنكم الرِّجس أهل البيت ويطهِّركم تَطهيراً ) ؟ قال الشيخ:قد قرأت ذلك،فقال علي(ع):فنحن أهل البيت الذين خصّنا الله بآية الطهارة يا شيخ . قال الراوي : فبقي الشيخ ساكتاً نادماً على ما تكلّم به ، وقال : بالله إنّكم هم ؟ فقال علي بن الحسـين (ع) : تالله إنّا لنحن هم ، من غير شك ، وحق جدّنا رسول الله (ص) إنّا لنحن هم ، فبكى الشيخ ورمى عمامته ، ثمّ رفع رأسه إلى السماء وقال : اللّهمّ إنّا نبرأ إليك من عدوّ آل محمّد (ص) من جن وإنس ، ثمّ قال : هل لي توبة ؟ فقال له : نعم ، إن تبت تاب الله عليك ، وأنت معنا ، فقال : أنا تائب ، فبلغ يزيد بن مـعاوية حديث الشيخ فأمر به ، فقتل»(66) . وانتهى الموكب في مسيره إلى مجلس يزيد بن معاوية ، فوضع رأس الحسين (ع) بين يديه ، وفي هذا المجلس الآثم حدثت المواجهة الإعلامية بين يزيد من جهة وبين زينب وعلي بن الحسين ، وبعض من انتصر للحسين (ع) من جهة أخرى . تحدّث ابن الأثير عن وقائع هذا المشهد التأريخي المفجع ، فقال : «ثمّ دخلوا على يزيد فوضعوا الرأس بين يديه وحدثوه ، فسمعت الحديث هند بنت عبدالله بن عامر بن كريز، وكانت تحت يزيد فتقنعت بثوبها ، وخرجت فقالت : يا أمير المؤمنين ، أرأس الحسين بن علي بن فاطمة بنت رسول الله (ص) ؟ قال : نعم ، فاعولي وحدّي على ابن بنت رسول الله (ص) صريحة قريش ، عجل عليه ابن زياد فقتله ، قتله الله ، ثمّ أذن للناس إذناً فدخلوا عليه ، والرأس بين يديه ، ومعه قضيب ، وهو ينكث به ثغره ، ثمّ قال : إنّ هذا وإيّانا كما قال الحصين به الحمام : أبى قومُنا أن ينصفونا فأنصفت***قواضِبُ في أيماننا تقطر الدِّما يفلقن هاماً من رجال أعزّة***علينا وهم كانوا أعقّ وأظلما فقال له أبو برزة الأسلمي : أتنكث بقضيبك في ثغر الحسين ؟ .. أما لقد أخذ قضيبك في ثغره مأخذاً لربّما رأيت رسول الله (ص) يرشفه ، أما إنّك يا يزيد تجيء يوم القيامة ، وابن زياد شفيعك ، ويجيء هذا ومحمّد شفيعه ، ثمّ قام فولّى . ثمّ ادخلت نساء الحسين عليه،والرأس بين يديه فجعلت فاطمة وسكينة ابنتا الحسين تتطاولان لتنظرا في الرأس،وجعل يزيد يتطاول ليستر عنهما الرأس فلمّا رأين الرأس صِحن فصاحت نساء يزيد وولولت بنات معاوية. قالت فاطمة بنت الحسين (ع) : فلمّا جلسنا بين يدي يزيد رقّ لنا فقام إليه رجل من أهل الشام أحمر فقال : يا أمير المؤمنين ، هب لي هذه الجارية ـ يعنيني ـ وكنت جارية وضيئة فارعدت وظننت انّ ذلك جائز لهم فأخذت بثياب عمّتي زينب وكانت تعلم انّ ذلك لا يكون ، فقالت عمّتي للشامي : كذبت والله ولؤمت والله ما ذلك لك ولا له ، فغضب يزيد وقال : كذبت انّ ذلك لي ولو شئت أن أفعل لفعلت ، قالت : كلاّ والله ما جعل الله لك ذلك إلاّ أن تخرج من ملّتنا وتدين بغيرها ، فاستطار يزيد غضباً وقال : إيّاي تستقبلين بهذا إنّما خرج من الدين أبوك وأخوك ، قالت : بدين الله ودين أبي ودين أخي اهتديت أنت وجدّك وأبوك إن كنت مسلماً ، قال : كذبت يا عدوة الله ، قالت له : أنت أمير تشتم ظالماً وتقهر بسلطانك ، فكأ نّه استحيى وسكت فعاد الشامي فقال : هب لي هذه الجارية ، فقال له يزيد : اعزب وهب الله لك حتفاً قاضياً ، ثمّ أمر بالنسوة أن ينزلن في دار على حدة معهنّ (67) أخوهنّ علي بن الحسـين (ع) فافرد لهم داراً تتصل بدار يزيد فأقاموا أياماً .. ثمّ أمر بعلي بن الحسين فادخل مغلولاً فقال له يزيد : إيه يا علي بن الحسين ، أبوك الذي قطع رحمي ، وجهل حقي ، ونازعني سلطاني ، فصنع الله به ما رأيت . فقال علي : (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلاّ في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسـير لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما أتاكم والله لا يحب كل مختال فخور ) . فقال يزيد : ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ... »(68) . وهكذا تحوّل مجلس يزيد بن معاوية في المسجد الأموي إلى ساحة مواجهة بين يزيد بن معاوية وآل الرسول (ع) ومن وقف إلى جنبهم حتى نساء يزيد وبنات معاوية .. وهكذا أدّت زينب دورها الإعلامي ، وهي في مجلس يزيد أو في البيت الذي استقرت فيه مدّة إقامتهم في دمشق ممّا اضطرّ يزيد إلى التظاهر بالتنصل من قتل الحسين ، والقاء اللائمة على ابن زياد ، رياء ونفاقاً ، خوفاً من ردة الرأي العام ، والاحتجاج الذي انطلق في المسجد ، بل حتى من ساحة داره .. سجّل المؤرِّخ الشهير ابن الأثير الانقلاب الكبـير في الرأي العام على يزيد بن معاوية ، فقال : «ولمّا وصل رأس الحسين بن علي إلى يزيد حسنت حال ابن زياد عنده ، وزاده ووصله، وسرّه ما فعل ، ثمّ لم يلبث إلاّ يسيراً حتى بلغه بغض الناس له ، ولعنهم وسبّهم ، فندم على قتل الحسين ، فكان يقول : وما عليَّ لو احتملت الأذى، وأنزلت الحسين معي في داري ، وحكّمته فيما يريد ، وإن كان عليّ في ذلك وهن في سلطاني ، حفظاً لرسول الله (ص) ورعاية لحقّه وقرابته ؟ لعن الله ابن مرجانة فانّه اضطرّه ، وقد سأله أن يضع يده في يدي أو يلحق يثغر حتى يتوفّاه الله ، فلم يجبه إلى ذلك فقتله ، فبغضني بقتله إلى المسلمين ، وزرع في قلوبهم العداوة ، فأبغضني البرّ والفاجر بما استعظموه من قتلي الحسين ، ما لي ولابن مرجانة ، لعنه الله ، وغضب عليه . ولمّا أراد أن يسيرهم إلى المدينة أمر يزيد النعمان بن بشير أن يجهِّزهم بما يصلحهم ، ويسيِّر معهم رجلاً أميناً من أهل الشام ، ومعه خيل يسير بهم إلى المدينة ، ودعا علياً ليودِّعه ، وقال له : لعن الله ابن مرجانة ، أما والله لو أنِّي صاحبه ما سألني خصلة أبداً إلاّ أعطيته إيّاها ، ولدفعت الحتف عنه بكل ما استطعت ، ولو بهلاك بعض ولدي ، ولكن قضى الله ما رأيت»(69) . وما أروع وصف القرآن لهذه الحالة عندما صوّرها بقوله : (إذ تبرأ الّذين اتّبعوا من الّذين اتّبعوا ورأوا العذاب وتقطّعت بهم الأسباب )(70) . وهكذا حاول يزيد التغطية على جريمته البشعة ، ولكن دون جدوى فقد باء بغضب من الله ، وبغضب من الأمّة التي دخلت مرحلة التهيؤ للثورة عليه .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|