لجنة التأليف مؤسسة البلاغ
انحسرت في أوساط أبناء وبنات الأمّة الإسلامية حالات الاقتداء والتأسّي بالنماذج الراقية والأمثال العليا والقدوات الصالحة التي عرض القرآن الكريم الكثير منها ، وخلّد لنا التأريخ الإسلامي لمعان نجومها في مواقف لا تنسى بل تمتد بتأثيرها بامتداد الزمن ، لدرجة أن ترى فتاة مسلمة قدوتها في ممثِّلة أجنبيّة ولا ترى في فاطمة الزّهراء (عليها السلام)سيِّدة نساء العالمين ذلك. ولعلّنا نحن السبب في ذلك أو جزء منه ، لأ نّنا لم نحسن عرض شخصياتنا كما أحسن الآخرون في عرض شخصياتهم، فباتت شخصياتنا البارزة والمتأ لِّقة كأنّها جزء من التأريخ الذي انطوى، وهي ليست كذلك . هل النِّساء المسلمات الصالحات ممّن ورد ذكرهنّ في القرآن أو في كتب السير هنّ نجوم مرحلة معيّنة مرّت وانتهت ولم يعد لهنّ الحضور الساطع ؟ هل تراهنّ أفلن ؟! التجربة الميدانية والعملية تقول غير ذلك، فإنّ اختزانَ صور الإيمان والعفّة ورجاحة العقل والمقاومة والتضحية يعملُ على استيلاد صور مماثلة في شتّى العصور، ممّا يعني أنّ نجومنا الإسلامية الغابرة والمعاصرة قادرة على تحريك المَثَل في حياتنا بحيث نستحضره في المواقف الإيجابية أو الصعبة ليكون دافعاً إلى عمل الخير هناك وإلى مقاومة الاستبداد والشرّ هنا . نجومنا إذاً صنعها المبدأ . والكثير من نجوم الآخرين صنعتها الدعاية والأضواء . نجومنا خالدة تصلح قدوة في كلّ وقت . وتلك نجوم لا تصلح قدوة ، فالقدوة مسؤوليّة رسالية وأخلاقية . نجومنا قدوات فكرية وعلمية وعملية وإيمانية وابداعية وسياسية وبطولية تغني الحياة في آفاقها كلّها . وصادق من يقول: «من يكرِّس نفسه للحقّ لائق لأن يكون قدوة» . في هذا الكُتيِّب ، آثرنا أن نقف عند ثلّة من نجوم نسوية تمثِّل القدوة الصالحة لكلّ فتاة شـابّة وامرأة ناضجـة ، لا لنسرد قصصـهنّ ـ وقد سمعناها وقرأناها مراراً ـ وإنّما لنستل ونستلهم منها الدروس والعبر ، ونعالج من خلالها بعض الظواهر السلبية المدانة ، مثلما نستهدي بعضاً من جوانبها الإيجابية المشرّفة . إنّنا نريد أن نأخذ بأيديكنّ في هذه الجولة لنرد الينابيع الصافية ، ونريد النجوم العالية الساطعة ، ونميط غبار النسيان أو الاهمال عن كنوزنا الإيمانية النسوية الثمينة . لا نتعجّل الحكم .. دعونا نكمل الرحلة، وليكن لكلّ شخص رأيه . سؤال واحد نريد الإجابة عنه : يقول تبارك وتعالى: (وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ ا لْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَمَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ ا لَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ ا لْقَانِتِينَ )(1) . هل الإقتداء بالمثل الأعلى أمر مستحيل ؟ إذا كان كذلك ، فكيـف يأمر الله به ، وهو الّذي لا يكلِّف نفساً إلاّ وسعها ؟! وإذا كان الاقتداء أمراً مُمكناً، وهو كذلك ، فلا بدّ إذن من دراسة القدوة ، والتأمّل في محطّات حياته المختلفة ، فكراً وسلوكاً ، حتّى يتبيّن المواقف الرائدة لهذه الشخصية أو تلك، ونقتدي بها عندما نمرّ في حياتنا بمثل تلك المحطّات ، لنتّخذ فيها نفس المواقف العظيمة هنا وهناك .
|
|