المنذورة لله :
لم ترزق أمّ مريم بولد لأ نّها كانت عاقراً فالتجأت إلى الله سبحانه وتعالى ضارعة متوسّلة أن يرزقها ولداً يكون نذراً خالصاً للعمل في بيت المقدس : (إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ ا لْعَلِيمُ )(2) . إنّ لمريم (عليها السلام) كمولود منذور لله خصوصيّة خاصّة ، لكنّ امرأة عمران التي لم تحمل من قبل لم تكن تريد مولوداً تحتكره لنفسها ، بل لتضعه في خدمة الدِّين والشريعة وهو جنين في بطنها . ولعلّنا قرأنا وشاهدنا أمثلة لأمّهات أنشأن أبناءهنّ منذ نعومة أظفارهم على أن يكونوا مشاريع عطاء أو استشهاد في سبيل الرِّسالة الإسلامية ، أو أ نّهنّ فتحن لهم الطريق إلى خدمة دين الله العظيم في علم وفي عمل ، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على وعي فائق في أنّ المولود ـ ذكراً كان أم اُنثى ـ هو هبة الله ووديعته ، وأن تكون هذه الهبة موهوبة في خدمة الدِّين فإنّ ذلك هو عين العقل والصلاح ، وغاية الوعي لقوله تعالى : (إِنّا للهِِ وَإِنّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ )(3) . وكم هو رائع ، أن نستحضر هذا المعنى في أن يكون أولادنا على أهبة الاستعداد لخدمة الرِّسالة الإسلامية ، حتّى إذا احتاجتهم في أمر من أمورها ندبناهم إليها ، ذلك لأنّ هذا هو أفضل شكل من أشكال شكر النعمة (نعمة الولد) وأرقى درجات الوعي الإيماني أن يكون عمرنا بذلة في طاعة الله . ونجد مصاديق ذلك على لسان أنبياء الله الذين كانوا يطلبون من الله تعالى أن يوفِّقهم لشكر نعمتـه بالتوفيق للصلاح ، هم وأبنـاءهم ، كما نجد ذلك في دعاء ، إذ يقول : «رَبِّ أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمتَ عليَّ وأن أعمل صالحاً ترضاه ، وأصلِح لي في ذرِّيّتي ، إنِّي تبتُ إليكَ وإنِّي من المسلمين» .
|
|