العفّة تاج :
ويشاء الله تعالى أن يهب مريم غلاماً من غير زوج كما هي سنّة الله في خلقه بنتاج الذّكر والاُنثى معاً ، وإذا بها تحاجج المَلك الذي جاء ليهبها ولداً (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً )(12) . ولم تكتف بذلك بل نأت به عن قومها (فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً )(13). حتّى لاتلوك الألسن سمعتها . وحينما تضع مولودها تتمنّى لو أنّ الأرض تنشقّ فتبتلعها (قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذَا وَكُنتُ نَسْياً مَنسِيّاً )(14) . وبالفعل فإنّ ما كانت تخشاه من اللّوم والتقريع والتشنيع ، واجهته حينما جاءت تحمل عيسى (عليه السلام):(يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْء وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً )(15) . ولم تخرس الألسنة الحادّة إلاّ بنطق الغلام الذي أنطقه الله وهو في المهد ليدفع بذلك عن أمّه السُّوء والأقاويل والتّهم، وهو أقسى وأشدّ ما تعانيه امرأة طاهرة عفيفة نجيبة لم يدنّس سمعتها شيء . إنّ هذه المشاهد والمواقف المشحونة بالخوف وبالقلق على نصاعة ونزاهة السمعة النقيّة أن يمسّها الناس بسوء ويلوّثوها بالاتِّهامات الزائفة الباطلة تكشف عن مدى حرص الفتاة، والمرأة بشكل عام، على السمعة النزيهة والمحاذرة من الطعن في عفّتها وقذفها بالفاحشة ، فليس أكثر إيلاماً من أن تحارب الفتاة في شرفها وهو أعزّ ما تملك . لقد حاول بعض الكتّاب والكاتبات الحطّ من قيمة الشرف، واعتبره آخرون واحداً عند المرأة وعند الرجل، وتساءل: لماذا تعاقب أو تحاسب الفتاة إذا استهانت بشرفها ولايحاسب الفتى أو الرجل؟ وهو كلام سليم في أنّ الشرف لايتجزّأ، وإنّ التزام الحشمة والعفّة من قِبَل المرأة يحافظ على شرفها وعلى شرف الرجل أيضاً (وَلاَتَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى )(16). (وَلاَيُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ )(17). (فَلاَتَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ ا لَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ )(18) . أمّا التوهـين من مسألة الشرف ، فدعوة تستبطن سوءاً وخبثاً لا يخفيان على الفتاة اللّبيبة .
|
|