عالم المرأة

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
ثانياً : ابنة شعيب (زوجة موسى (عليه السلام) )
تحاشي الاختلاط :

خرج موسى (عليه السلام) من مصر خائفاً يترقّب فيمّم وجهه شطر (مدين) .. وما أن وصلها حتّى رأى حشداً من الناس قد تزاحموا على مورد ماء كلٌّ يريد أن يسبق الآخر إليه . والتفت فرأى فتاتين تفصلان أغنامهما حتّى لاتختلط بسواها من أغنام الآخرين ، وتنتظران انصراف الرعاة حتّى يتقدّمن للسـقي ، فتقدّم منهما ـ بكلّ أدب واحترام ـ مستوضحاً عن إحجامهنّ عن السقي ، فأخبرتاه أ نّهما لا تستطيعان ذلك والزحام على المورد شديد ، فقرّرتا أن ينصرف الرعاة الرجال ثمّ يستقين ، وعرف منهما أنّ أباهما شيخ كبير وقد أوكل لهما مهمّة سقي الأغنام ، فشمّر موسى (عليه السلام) عن ساعديه وسقى لهما .
من ذلك يتّضح كيف أن ابنتي شعيب (عليه السلام) كانتا على جانب كبير من العفّة والحشمة والتهذيـب ، وأ نّهما قد تلقيتا تربية أسرية حسنة ، وذلك من خلال رفضهما مزاحمة الرجال بالمناكب . ومن تصرّفهما العفيف هذا يتّضح أيضاً أ نّهما تدركان مساوئ الاختلاط والتدافع مع الرِّجال ممّا يتنافى مع عفّة الفتاة ويزرع الريبة في قلوب الرجال .
ولو أجلنا النظر في عالمنا اليوم لرأينا كيف جنت عملية الاختلاط بين الجنسين على أخلاق المجتمعات المسلمة ، فأفسدتها وميّعتها ، بل وداستها تحت الأقدام حتّى أنّ الحياء انتهى بين بعض شرائح هذا المجتمع أو كاد بعد أن شاع الاختلاط في المدارس والجامعات ومحلاّت العمل والأماكن العامّة والخاصّة ، حتّى أنّ حالات المعاشرة الشاذّة ازدادت ـ جرّاء ذلك ـ بشكل مخيف .
لقد اُجريت ـ ذات صيف ـ تجربة جنسية في إحدى الجامعات الاميركية اُطلق عليها (التجربة الطلابية المثيرة) حيث عمدت عمادة الجامعة في العطلة الصيفيّة إلى جمع كلّ طالب وطالبة في غرفة مشتركة ليتشاطرا السكن فيها وليضبطا خلال أسبوع تصرفاتهما ، وليقدّما ـ بعد انتهاء التجربة ـ تقريراً صريحاً عمّا حصل خلال ذلك الأسبوع .
إنّ هذا الاختلاط وما صاحبه من تسيّب وتحرّر وإباحية في العلاقات الجنسية ، أدّى بالعالَم إلى أن يكون مهدّداً في أمنه واستقراره ، فهذه الاُمم المتحدة ترفع شعار «الايدز تهديد للأمن الدولي»، وها هي عشرات الملايين من البشر تواجه خطر الموت والانقراض ، ولم يكن انتشار هذا المرض وغيره من الأمراض الجنسية الخبيثة إلاّ نتيجة للعلاقات الجنسية المحرّمة .(19)
وهذا أندريه لووف ، الحائز على جائزة نوبل ، وأحد كبار العلماء البيولوجيـين ومن روّاد علم الفيروسات ، يحدِّثنا عن هذا الموضوع ، فيقول : «أصبح المجتمع إباحياً ، وحدث تحرّر ظاهري للشباب ، ويوماً بعد يوم تتم الاتصالات الجنسية قبل أوانها، ولا أستطيع القول بأنّ في ذلك خيراً ، لأنِّي لستُ من دُعاة الأخلاق ، ولكنِّي ألاحظ كطبيب أنّ هذا التحرّر الجنسي هو السّبب في انتكاسة كُبرى ، لتفشِّي الأمراض الجنسية ...» (20) .
وعلى هذا يمـكن أن نقيس أجواء الحفـلات المشتركة والمدارس المختلطة والنوادي المزدوجة وأماكن اللّهو أو العمل التي تكثر فيها الخلوات التي لاتراعي ضابطاً أخلاقياً أو قانونياً أو وازعاً من ضمير.
لقد أغلقنا مسامعنا عمّا تكلّم عنه القرآن بلسان عربيّ مبين (وَإِذَا سَأَلْـتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَاب )(21) . وكان في أسماعنا وقر عن قول رسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «ما اختلى رجل وامرأة إلاّ وكان الشّيطان ثالثهما» . وبدلاً من ذلك فتحناها على مصراعيها لدعوات الغرب ونداءاته في التحلّل والتحرّر والانفلات .
إنّ الاختلاط بحدّ ذاتـه ليس مشكلة إن روعيت فيه الضوابط الشرعية ، فالرجال والنِّساء في بيت الله يختلطون ، لكن ثمة فارق بين اختلاط واختلاط ، فحينا تراعى آداب الحشمة والعفاف من لدن كلّ جنس من الجنسين فلا بأس ولا غضاضة . أمّا حينما يتّخذ الاختلاط جوّ الانفتاح الداعر، أو الخلوة المحرّمة، أو الابتذال والتحرّش والمعاكسة، فإنّ قصص التسافل والميوعة تتكاثر ممّا يصعب حصرها أو ضبطها .
إنّ الله يضرب ببنتي شعيب مثلاً في العفّة لكلّ فتاة وعت الحقيقة وأبصرتها بعـين المـدرك لما يراد من ورائها ، فابتعـدت عن أجـواء الانحراف ولم تنطل عليها شعارات الحرِّيّة المنفلتة .
هذا الحياء المحبّب الذي يجعل كلاًّ من الفتى والفتاة والرجل والمرأة يحترم حـدوده وحدود الله فلا يتعدّاها ، يتمثّل أيضاً في التعـبير عن حركة ابنة شـعيب الكبرى التي جاءت موسى (عليه السلام) والذي كان قد تولّى إلى الظلّ بعد أن سقى لهما (تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء )(22) أي مشية الفتاة الخفرة التي تنكِّس نظراتها إلى الأرض ، والتي لاتبدي في مشيتها أيّة حركة تثير الريبة في قلب الرجل لا سيما القلب الذي فيه مرض .
ويتمثّل كذلك في موقف ثالث ، حينما تريد هذه الفتاة أن تكون دليل موسى (عليه السلام) إلى بيت أبيها ، فيطلب منها أن تتخلّف ويتقدّم حتّى لا يقع نظره عليها . فما أروع هذه العفّة التي تصنع المجتمع العفيف : فتاة تمشي على استحياء ، وفتى يتصرّف باستحياء ، فيعين كلّ منهما الآخر على حيائه وعفّته ، ولذا كانت الدعوة القرآنية مشتركة لم تستثنِ جنساً دون آخر (قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ )(23) ، (وَقُل لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ )(24) .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com