عالم المرأة

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
إخطب لبنتك !

لقد سادت في مجتمعاتنا الإسلامية نظرة ذكورية لمسألة الخطبة ، فالمعتاد أنّ الرجل هو الذي يخطب ودّ الفتاة لما تتمتّع به من حياء اُودع في أصل خلقتها ، وليس للفتاة ولا لأحد من أسرتها أن يفاتح رجلاً في الزواج من ابنته إن كان أباً أو أخته إن كان أخاً .
شعيب (عليه السلام) يعلِّمنا هنا ـ والتعليم تعليم القرآن بالنتيجة ـ أنّ الأب يمكن أن يخطب لابنته رجلاً ترضاه . فلمّا رأى من كرم أخلاق موسى (عليه السلام) وشرفه وغـيرته وأدبه الجمّ استجاب لطلب ابنته (يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ ا لْقَوِيُّ ا لاَْمِينُ )(27) .
إنّ ابنة شعيب هنا تختار زوجها ضمن مواصفات القوّة والأمانة وهي خير ما يميِّز الرجل المؤمن ، ممّا يعلِّمنا ـ كفتيات ـ أن لا ننظر إلى الشكل الخارجي للرجل فقط ، فإذا كانت القوّة مظهراً للرجولة ، فإنّ الأمانة هي المظهر الموازي لها . ولذا قال شعيب (عليه السلام) معتدّاً برأي ابنته وحنكتها وحكمتها في الاختيار (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ )(28) . ولم يلزمه بإحداهما بل ترك الخيار له .
إنّ الأب الذي يرى في رجـل أو شـاب سـيماء التقوى والصلاح والأمانة والشجاعة ، لا ينتقص من كرامته ولا كرامة ابنته شيئاً إن هو خطبه إليها . فهو بذلك يحفظ لها حاضرها ويؤمِّن لها مستقبلها، في ظلّ رعاية رجل قويّ أمين .
هذا هو منطق القرآن الذي نجد بينه وبين واقعنا تناقضاً كبيراً ، فإذا كان العرف السائد يعتبر إقدام الأب على خطبة رجل صالح لابنته عيباً ، وما هو بعيب ، ففي الأدنى أن يختار لها من يتوافر على تلك الصفات فيمن يتقدّمون لخطبتها .
ويمكن القول إنّ استخدام شعيب (عليه السلام) لموسى (عليه السلام) كان يقتضي الاحتزاز في أنّ هناك رجلاً أجنبياً يدخل بيته ولديه فتاتان غير متزوّجتين ، ولذا فقد أحسن صنعاً في اتخاذ خطوة الزواج حتّى يصبح موسى (عليه السلام) من أهل البيت الذي يحرص على سمعته وصونه كحرص ربّه عليه .
وهذه لفتة مهمّة جدّاً ، حيث نرى هذه الأيام أنّ بعض الشبّان ممّن يعملون في خدمة بعض آباء الفتيات ، بل حتّى أصدقاء الآباء والإخوة ممّن يسمّى أحدهم بـ (صديق العائلة) يتردّدون على بيوتهم وربّما من غير استئذان أحياناً ، ويتحدّثون مع بنات الأسرة أحاديث لا تحرّج فيها ممّا نتج عنه أسوأ العواقب وأوخمها ، خاصّة إذا كان الداخل إلى هذه البيوتات ليس كموسى (عليه السلام) أو كيوسف (عليه السلام) يراعي حرمة البيت الذي يدخله، وخاصّة إذا لم تكن الفتاة حذرة تتصرّف باستحياء كابنة شعيب (عليه السلام) .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com