عالم المرأة

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
رابعاً : آسية بنت مزاحم (زوجة فرعون)

لو أنّ أيّة واحدة منّا كانت تعيش في قصر منيف هو أفخم قصر في البلاد بأسرها ، بل هو أشبه بجنّة مصغّرة تجري من تحتها الأنهار ، وفيها من الخدم والحشم وألوان الخدمة الصغيرة والكبيرة ما يجعل زوجة ربّ القصر أميرة من الأميرات ، بل سيِّدة القصر والمصر الأولى ، تتنعّم بالديباج والذهب والفضّة والرياش وما لذّ من الأطعمة وطاب ، ولا تتمنّى شيئاً ممّا تحت أيدي الدّنيا إلاّ ونالته ، وما أمرت بشيء إلاّ واستجيب لها ، هل كانت تضرب كلّ هذا النعيم الباذخ عرض الجدار ، وتعتبره تافهاً لا قيمة له في قبال نعيم مؤجّل ، وجنّة ستأتي ، ووعود مدخرة ؟!
هذا هو بالضبط ما فعلته هذه المرأة النموذج .
هي آسية بنت مزاحم زوجة فرعون موسى ، أكثر فراعنة عصره والتأريخ طغياناً وعتوّاً .. زوجـة ذاك الذي كان يقـول : (أَنَا رَبُّكُمُ ا لاَْعْلَى )(30) .
وهي ثانية اثنتين ضرب الله بهما مثلاً للذين آمنوا لتكونا قدوة للّذين آمنوا على مدى التأريخ الانسانيّ (وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ ا لْقَوْمِ الظَّالِمِينَ )(31) .
وهي من أكمل النِّساء اللّواتي قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيهنّ : «كَمُل من الرجال كثـير ولم يكمل من النِّساء إلاّ أربع : آسية بنت مزاحم ، ومريم ابنة عمران ، وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمّد» .
وهي في حديث آخر من أفضل نساء الجنّة : « أفضل نساء أهل الجنّة : خديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمّد ، ومريم بنت عمران ، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون » .
فكيف أصبحت هذه المرأة مثلاً أعلى للنِّساء المؤمنات ؟
لا نعلم عن سيرة آسـية شيئاً قبل كفالتها موسى (عليه السلام) ، فالقرآن سكت عن المرحلة السابقة على ذلك ، وما سكت عنه القرآن نسكت عنه ، لنتحرّك مع آسـية (رض) منذ مرّ الصندوق الذي يحمل الطفل الرضيع (موسى الكليم (عليه السلام) ) في النيل على مقربة من قصر فرعون ، فلقد التقطه آله ووضعوه بين يديها ، وكان فرعون يقتل كلّ صبي يولد لبني إسرائيل، فأراد قتله، فأبت عليه قائلة : (قُرَّةُ عَيْن لِي وَلَكَ لاَتَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً )(32) .
لقد ألقى الله تعالى محبّة موسى (عليه السلام) في قلب هذه المرأة الصالحة التي لم يكن لها ولد فتبنّته لينشأ في قصر فرعون . وسواء كانت مؤمنة قبل أن تهتدي على يد موسى (عليه السلام) أو أ نّها آمنت فيما بعد ، فإنّ الذي يهمّنا أ نّها آمنت بربّ موسى (عليه السلام) وكفرت بزوجها الذي يطرح نفسه ربّاً في قبال الله بل يزعم أ نّه الربّ الأوحد ، لقد آثرت النعيم المقيم على النعيم العقيم .
ولأنّ قصر فرعون كان يسبِّح بحمده ويقف صفاً واحداً لامتثال طاعته ، لم يكن أحد يجرؤ على أن يعلن عن إيمانه أو يصرِّح به ، ولذا كان هناك (مؤمن آل فرعون) الذي كان يكتم إيمانه ، وقيل إنّ آسية أيضاً كانت مؤمنة تكتم إيمانها ، والإيمان الكتيم نورٌ في الأعماق يمكن أن يتفجّر في أيّة لحظة .
ترعرع موسى (عليه السلام) في كنف هذه المرأة الصالحة التي منحته حبّاً صادقاً وعناية فائقة ودفاعاً مستميتاً ، فلقد كانت سبباً في نجاة موسى (عليه السلام) من الذبح ، وكان هو سبب نجاتها من الهلاك بأن هداها للإيمان ففتحت مسامع قلبها لدعوته وصمّتها عن تهديدات فرعون وغطرسته، وناصرت موسى (عليه السلام) على عدوّ الله وعدوّه وعدوّها .
فحينما وقفت آسـية على مُفـترق طريق : هذا يؤدِّي إلى الجحيم ، وهذا يؤدِّي إلى النعيم لم تتردّد في الاختيار ، آثرت جنّة الله الخالدة على جنّة فرعون البائدة .
لقد خيّرها فرعون في أن تعود إلى طاعته أو أن يصلبها ، فلم تهن ولم تحـزن ، وقالت بإباء السـحرة الذين رفضـوا مثلها عبادة فرعون (فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاض إِنَّمَا تَقْضِي هذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا )(33) .. كانت جندياً صلباً من جنود موسى (عليه السلام) . بل من جنود الله البسلاء ، والجندي من هذا النوع هو أخطر جنديّ يواجه الطاغية .. إنّه يُعدّ بألف فارس ، بل بعسكر لجب .
ولأنّ الطغاة لا يملكون لغة الحوار والتفاهم والعفو والمسامحة ، أمر فرعـون بأن تمدّ الأوتاد بين يديه ، فشُدّت بها آسية ، وعُذِّبت أقسى العذاب وأشرسه ، حتّى لاقت وجه ربّها وهي على هذه الحال ، وكانت كلّما عصف بها الألم وعاينت الموت تقول : (رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ ا لْقَوْمِ الظَّالِمِينَ )(34) .
مطلبان في اتِّجاه واحد : النجاة من فرعون وعمله الاستكباري ومن قومه الظالمين الفاسدين المفسدين الذين يطيعونه فيما يعصي الله وفيما يستخفّهم به ، ليكون المأوى جنّة المأوى !
ونحن نسير على طريق الإيمان حينما نقف قبالة هذه المرأة المؤمنة الصالحة المجاهدة الشهيدة ، ماذا يتراءى لنا من محاسنها ؟
هل نتمنّى أن نكون مثلها صبراً وجلداً وتحدّياً وصلابة في الحقّ ؟ هل نركل النعيم الزائل الزائف بأقدامنا إذا اصطدم بإيماننا ومبادئنا ورسالتنا ؟ وهل نؤثر جنّات عدن خالدين فيها أبداً ؟ هل نتردّد في الخيار بين رضوان الله الأكبر وبين رضا الطاغية المستكبر ؟!
(آسية (رض) ) أجابت عن هذه الأسـئلة بشكل عملي ، وبصدق وصراحة وشجاعة وثبات ، فلم تتراجع حتّى وهي تتعرّض إلى الموت . والأسـئلة ما زالت مطروحة علينا في كلّ مكان يستبدّ به الطغاة ، وتجرفنا فيه الملذّات ، وتخدّرنا فيه متع الحياة .
هل نستسلم كخشبة في مجرى التيار ، وكريشة في مهبّ الريح ؟ أم أ نّنا نرفض بوعي ، ونبني جسور الإيمان بوعي ، ونقاتل من أجل أنبل ما نحمل من قيم ومُثل بوعي ؟ فإذا جاء الموت جاءنا ونحن في أسعد حالاتنا طاعةً والتزاماً وجهاداً في سبيل الله ؟
هل نكون كآسية ولو بنسبة معيّنة ؟
هذا ما يريده درس القرآن من ضرب المثل للّذين آمنوا : مؤمنين ومؤمنات ، بهذه المرأة المؤمنة .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com