سادساً : أُمّ المؤمنين (خديجة بنت خويلد) زوج الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)
الإيمان الواعي المستقل :
خديجة (رض) أوّل نسـاء هذه الأمّة إيماناً وتصديقاً بنبوّة النبيّ الأعظم محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) . وقد يقول قائل لأ نّها زوجته ، وليس في ذلك ما يعاب ، ولكن ذلك ليس قاعدة على طول الخطّ ، فزوجة نوح وزوجة لوط كانتا تحت عبدين صالحين فخانتاهما ، فليس من الضروري أن تكون الزوجة تبعاً لزوجها فيما تعتقد ، فهي حرّة التفكير والاعتقاد كما هو حرّ التفكير والاعتقاد . إنّها إذاً طهارة العقل والقلب والروح والفطرة تفتّحت كلّها لاستقبال أنوار الاسلام الأولى .. إذ كان يمكن أن تتنكّر خديجة (رض) لما جاء به النبيّ محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) لأ نّها عاشت الجاهلية الأولى ، كما كان يمكن أن تخاطبه بما خاطبه به المشركون : سفّهت ديننا ودين آبائنا وأجدادنا ، لكنّها لم تغلق نوافذ العقل والقلب والنفس والجوارح ازاء تباشير النور الذي ينير العقل فيطرد منه كلّ خرافة وكلّ أسطورة وكلّ تخلّف ، وينير القلب فيبعد عنه كلّ حقد وكلّ عداوة وكلّ بغضاء وكلّ ميل إلى فحشاء أو منكر ، وينير النفس والجوارح فينطلقان في الحياة بأفق أرحب ونهج أطيب وعود أصلب . اُمّنا خديجة (رض) كانت حرّة التفكير لم يمارس معها النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أيّة ضغوط حتّى تسلم لربّ العالمين ، بل صدّقته منذ اللحظة الأولى لأ نّها على خلاف قريش التي وجدت آباءها على ملّة وإنّها على آثارهم مقتـدون ، والتي كانت على مدى أربعين عاماً تصف محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم)بالصادق الأمين ، وإذا بها بين عشـيّة وضُحاها تنقلب على أعقابها فتصفه بالكاذب والساحر والشاعر والكاهن والمجنون . وتساءلت خديجة (رض) في صفاء وهدوء عقل : إنّ صادقاً امتاز واتّسم بالصدق حتّى اقترن به كظلّه ، كيف يكذب في لحظة ؟! ولم تشأ أن ترتكب الخطأ الجسيم الذي ارتكبوه ، فكانت صدِّيقة هذه الأمّة . وهذا هو أحد أسباب إكبارنا لهذا النموذج النسائي الأعلى الذي لا يستسلم لألفة الآباء ولا يكون إمّعة يقول أنا من الناس وأنا كواحد من الناس ، وإنّما يفكِّر بعقل حرّ بمعزل عن كلّ التأثيرات الجانبية . وهذا هو أيضاً ـ إلى جانب أسباب أخرى كثيرة ـ هو سبب مودّة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لها واحترامها والمبالغة في تعظيمها ، حتّى أ نّه كان يشاورها في اُموره ، ولم لا وهي صاحبة العقل الحرّ والتفكير الحرّ والقرار الحرّ .
|
|