عالم المرأة

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
تاسعاً : أُمّ سليم (بنت ملحان)
قوّة الإيمـان :

هذه إمرأة مؤمنـة ، لا هي أمّ نبيّ ، ولا هي زوج نبيّ ، إنّما هي خرّيجة مدرسة الإيمان تلقّته على يدي القرآن وعلى يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فكانت مثلاً في عمق وعيها الإيمانيّ .
أسلمت وبايعت الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وشهدت معه (اُحداً) و (يوم حنين) وكانت تسـقي العطشى وتداوي الجرحى ، وتبثّ الحماسـة في نفوس المجاهـدين ، وشـوهدت وهي تحمل في (حنين) خنجراً حزمته على وسطها ، ولمّا سألها النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) عنه ، قالت : إن دنا أحد المشركين مني بقرت بطنه .
وحينما يبلغ ابنها أنس مبلغ الفتيان تأتي به إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، لتضعه في خدمته ولينهل من تعاليمـه فيرحِّب به النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ويقرّ عينها بما طلبت ، ممّا نستفيد منه في أن نختار لأبنائنا دائماً المكان المناسب للتربية أو للعمل .
ولمّا تقدّم (أبو طلحة) وكان ثريّاً مشركاً لخطبتها رفضته رغم ما قدّم لها من مهر غال ، قالت : لا ينبغي أن أتزوّج مشركاً ، فهل لك أن تشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأزوِّجك نفسي ولا أريد منك صداقاً غيره .
يقول ابنها أنس : ما سمعت بامرأة قطّ كانت أكرم مهراً من أمّ سليم كان مهرها الإسلام !
عاشت مع أبي طلحة حياة زوجيّة هانئة ، فكانت مثال الزوجة الصالحة التي ترعى حقوق الزوجية خير رعاية ، ومثال الاُم الصالحة والمربّية الفاضـلة ، ولقد رزقها الله من (أبي طلحة) طفلاً أسـمياه (أبو عمير) وقد مرض ومات في مرضه وتلقّت (اُمّ سليم) موته بالصّبر والسلوان وبنفس راضية بقضاء الله وقدره . فقامت وغسّلت الطفل وكفّنته وغطّت عليه ثوباً في فراشـه ، وهي تردد : ( إنّا لله وإنّا إليه راجعون ) وطلبت ممّن حولها أن لا يخبروا أبا طلحة .
عاد الزوج من عملـه ، وكانت قد جففت دموعها وتصنّعت لاستقباله بابتسامتها المعتادة ، وجاءته بعشاء ، فسألها ليطمئن على صحّة ولده : ما فعل أبو عمير ؟ فقالت : هو أسكن ما يكون ! فظنّ الزوج أ نّه شُـفي . وكانت اُمّ سـليم قد تطيّبت وارتدت أجمل ثيابها ، وتزيّنت واقتربت منه ، فأصاب منها ما يصيب الرجل من أهله ، فنام سـعيداً راضياً شاكراً لنعمة الله على شفاء ولده وعلى حبّ زوجته ورعايتها له .
في آخر اللّيل ، وقد عاود الأب السـؤال عن ولده ، تقول له (اُمّ سليم) : يا أبا طلحة ! أرأيت لو أنّ قوماً أعاروا عاريتهم (الأمانة) أهل بيت فطلبوا عاريتهم ، فهل لهم أن يمنعوها عنهم ؟ قال : لا . قالت : فما تقول إذا شقّ عليهم أن تطلب هذه العارية منهم بعد أن انتفعوا بها ؟ قال : ما أنصـفوا ، قالت : فإنّ ابنك عارية من الله تعالى فقبضه فاحتسب ابنك !
ولمّا أصبح الصباح غدا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأخبره بما كان بينه وبين زوجه فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : بارك الله لكما في ليلتـكما ، فكان في تلك اللّيلة حملها بولدهما عبدالله ، فلمّا شبّ تزوّج وأنجب ذرِّيّة صالحة ، والزواج بالصالحات يورث الأبناء الخصال الحميدة .
وفي سبب نزول قوله تعالى : (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأولئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ )(48) ، انّ اُمّ سليم وزوجها أبا طلحة ضيّفا شخصاً طلب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) منهما ضيافته ولم يكن معهما إلاّ قوت صبيانهما ، فقدّما للضيف كل ما معهم وباتوا هم والأطفال بلا طعام يريدون بذلك وجه الله .
هذه السيرة العطرة من زواج يقوم على مهر هو الإسلام ، وجهاد في أكثر من معركـة ، وتربية صالحة لمولود يوضع في خدمة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وموقف يطفح بالإيمان في مرض ووفاة طفلها وعدم اظهار ذلك لزوجها ، وتسـليم تام لقضـاء الله ، تنمّ عن أنّ المرأة إذا تعمّـق الإيمان في قلبها فإنّها تكون مثلاً ونموذجاً للأخريات من النِّساء ، فهي لا تقتدي فقط ، وإنّما تصبح هي نفسها قدوة .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com