قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: دور المرأة في بناء المجتمع
2 ـ الجهل بالإسلام :
إنّ من المشاكل التي يواجهها الفكر الإسلامي في مرحلتنا الراهنة هي : الجهل بالإسلام من قبل الآخرين، لا سيّما في أوربا وأمريكا وبقيّة العالم غير الإسلامي. فهؤلاء يجهلون أبسط مبادئ الفكر الإسلامي، بل ويفهمونه فهماً مشوّهاً محرّفاً يقوم على أساس الخرافة والارهاب وسفك الدماء والتخلّف والتعصّب، وتلك الأفكار هي من صنع الحركة الاستشراقية والصهيونية ومؤسّسات الكنيسة والتبشير الكنسيّ . فليس في ذهن الإنسان الغربي شيئ من صورة الإسلام، بل كل ما في فهمه وتصوّره هو تلك الصورة الشوهاء، ولو عرف الإنسان الغربي حقيقة الإسلام لأقبل عليه، ولتفتّح عقله للحوار العلمي ولاستقبله بحريّة الانفتاح الفكري . ونستطيع أن نقرأ وبشكل موجز هذه المشكلة الكبرى في خطاب الرئيس الألماني (رومان هوتسوغ) الذي ألقاه بمناسبة تكريم السيدة (آنا ماري شمل) في 10/1/1995، المستشرقة الألمانيّة المنصِفة في حفل تسلّمها جائزة السّلام من (رابطة الكتاب الالماني) .قال رادّاً على المعارضين لمنح(شمل)جائزة السّلام؛لأنّها تناصر الفكر الإسلامي،وتتعامل معه بإنصاف، وتدعو الى فهمه وتغيير الصورة الشوهاء التي كوّنها الاعلام الاوربي عن الإسلام والمسلمين، قال:«وهناك ظاهرة تبدو واضحة في علاقاتنا وتعاملنا مع الإسلام في عصرنا الحاليّ.إنّنا لا نتجنّى على الرأي العام الالماني إذا قلنا أنّ ما ينعكس في مخيّلة الكثير منّا عند ذكر الإسلام إنّما هو(قانون العقوبات اللاّ إنساني)أو(عدم التسامح الديني)أو(ظلم المرأة)أو (الاُصولية العدائيّة)ولكن هذا ضيق أفق يجب أن نغيِّره،فلنتذكّر بالمقابل موجة التنوير الإسلامي التي حفظت للغرب قبل ستة أو سبعة قرون أجزاء عظيمة من التراث القديم،والتي وجدت نفسها آنذاك أمام نمط من الفكر الغربي،لا شكّ أنّها شعرت أنّه أصولي وغير متسامح» (12). وفي مقطع آخر من خطابه يُوضِّح الرئيس الالماني سبب العداء للاسلام، بأنه جهل الاوربيين بالإسلام؛ لذا نجده يتساءل في خطابه :«أليس محتملاً أن يكون سبب عدم تفهّمنا للاسلام هو رسوخه على أسس عميقة من التديّن الشعبي بينما نحن إلى حدّ كبير في مجتمع علماني ؟ وإذا صدق ذلك فكيف نتعامل مع هذه الإشكالية ؟ هل يحقّ لنا أن نصنِّف المسلمين الأتقياء مع (الاُصوليين الارهابيين) فقط لمجرّد افتقادنا نحن للاحساس السليم تجاه الاستهزاء بالمشاعر الدينية للآخرين، أو لكوننا لم نعد قادرين على التعبير عن هذا الاحساس السليم»(13). ثمّ يعترف الرئيس الألماني بعدم معرفته بالإسلام بشكل أفضل إلاّ بعد الاطلاع على كتب المستشرقة المنصفة (شِمل)، قال : «لم يبدأ اطّلاعي على تلك التعدّدية والتنوّعية الهائلة في نطاق الاتجاهات الإسلامية في تاريخ الإسلام وواقعه المعاصر بادئ ذي بدء إلاّ من خلال كتب (آناماري شمل)، وربّما مرَّ سواي بنفس هذه التجربة . انّنا بحقّ في حاجة الى تعويض ما فوّتنا على أنفسنا من فهم بعضنا بعضاً ...»(14) . ثمّ يدعو الرئيس الالماني الى فهم الإسلام لتحديد موقف آخر منه غير الموقف الذي بُني على الجهل به، قال : «أقرّ أنّه لا يوجد أمامنا خيار آخر سوى زيادة معرفتنا بالعالم الإسلامي، إذا أردنا أن نعمل من أجل حقوق الإنسان والديمقراطية»(15). ثمّ يقول : «انّ السبب الحقيقي للتشوّق لمعرفة الإسلام والتعرّف على حضارته الغنيّة إنّما ينبع من انتمائنا إلى حضارة مغايرة له. لقد أيقظت السيِّدة شمل هذا الشوق في نفسي، وأتمنّى أن يكون هذا هو حال الكثير سواي ...»(16) . «ولقد مهّدت لنا آناماري شمل هذا الطريق للّقاء بالإسلام...»(17). إنّ معركة منح جائزة السلام في ألمانيا للمستشرقة (شِمل) عام 1995، واتّفاق الرأي العام السياسي والمثقّف من رجال الفكر والأعلام والاستشراق والفن والأدب في ألمانيا، التي تعتبر من أهم دول العالم في التاريخ المعاصر، وانتصار جبهة (شِمل) التي تعني انتصار التيار الداعي إلى تفهّم الإسلام على حقيقته لتحديد الموقف منه، ومن هؤلاء الطبقة المتقدِّمة من المفكِّرين والسياسيين وفي طليعتهم الرئيس الألماني الذي قرأنا عبارات هامّة من خطابه كشفت لنا جانباً خطيراً من الجوانب التي يتحمّلها الكاتب والمفكِّر والفنّان والأديب المسلم. كما تتحمّلها المؤسّسات الدينية وعلماء الدين، وهو مسؤولية التعريف بالإسلام على حقيقته النيِّرة الناصعة التي تتفاعل مع العقل والقلب والوجدان. عملاً بالمنهج القرآني في الدعوة إلى الله سبحانه :(ادع إلى سبيل ربِّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالّتي هي أحسن ) . (النحل / 125) إنّ تلك المعركة الحضارية التي جرت في ألمانيا وحسمت لصالح الداعين إلى فهم الإسلام لتؤكِّد لنا عظمة الإسلام واستعداد الإنسان مهما كان بعيداً لان يتفهّم ويتقبّل الإسلام، ذلك المبدأ الذي ثبّته القرآن بقوله : (إذهبا إلى فرعون إنّه طغى* فقولا له قولاً ليِّناً لعلّه يتذكّر أو يخشى). (طه / 43 ـ 44) من ذلك نفهم أنّ القرآن يأمر دعاة الإسلام أن يحملوا الفكر الايماني ويوجِّهوا الخطاب الإسلامي لأكثر الناس عداوة وتشدّداً ورفضاً للايمان، وأن لا يقعوا في دائرة اليأس، ويغلقوا أبواب الحوار الفكري، فإنّ الظروف والأجواء التي يتقبّل فيها الخطاب الإسلامي تختلف من مرحلة إلى أخرى، ومن جوّ نفسي واجتماعي وحضاري وظرف تاريخي إلى آخر، فإنّ ما يرفض اليوم يقبل غداً. وما يرفض عن هذا الطريق يقبل عن طريق آخر .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|