الوقاية الأخلاقية
ولأجل أن يضع الاسلام حدّاً لهذا الاسـتهتار بالقيم والأخلاق ، ولكي يخفِّف ويزيل الكثير من الانعكاسات والآثار السلبية الاجتماعية والفردية للتبرّج ، ولكي لا يستهلكنا علاج الحالات الصعبة أو التي فاتَ عليها الأوان فلم ينفع معها العلاج ، رأى المشرِّع الاسلامي أن يحصِّن الفـتاة داخلياً وخارجياً في برنامج وقـائي أثبت نجاحه حيثما كانت هناك فرصة لتجريبـه ، وحيثما كانت هناك استعدادات ذاتية وموضوعية لتطبيقه . ولا بدّ من الالتفات إلى أنّ الاسلام لا يلغي ولا يصادر الحرِّيات ، بل يتحفّظ على بعضها حتى لا يُساء استغلالها ، ويضع الحدود هنا وهناك من أجل أن يحمي الانسان من نفسه الأمّارة بالسوء تارة ، ومن المجتمع الذي يحيط به أخرى . فعلى صعيد المناعة الذاتية ، اتّخذ الاجراءات التالية : ـ طلب من الفتاة أو المرأة عموماً أن تحكِّم إرادتها في أفعالها كلّها ، كما طلب ذلك من الشبّان أو الرجال عموماً . ـ وحذّرها من أن تقع فريسة لتسويلات الشيطان الذي قد يملك أن يوسوس لها بالسوء ويزيِّنـه لها ، ولكنّه لا يملك أن يعطِّل أو يشلّ إرادتها كإنسانة واعية (إنّ كيدَ الشيطانِ كان ضعيفاً ) (1) . ـ وألزمها بالستر الشرعي ( الحجاب) لا ليضعها كما يقول المغترّون في ( كيس أسـود ) وإنّما ليحصِّـن أنوثتها بما يبعد عنها غائلـة السوء والتعدِّي ، وبما يساهم في نشر حالة العفاف في المجتمع كجزء من حالة الأمن الاجتماعي الذي يحرص على استتبابه ونشره على أوسع نطاق . ـ كما منعها من أن تبدي زينـتها إلاّ ما ظهر منها ، حتى لا تحرِّك أجواء الإغراء بالمعصية . ـ وزرع في داخل تكوينها الانساني خصلة ( الحياء ) التي تعمل بمثابة الكابح الذي يكبح جماح النفس والشهوة والنزوة ، كما يجعل المرأة محبوبة أكثر ومُقدّرة أكثر . ـ ودعاها إلى تربية حالة ( التقوى ) في داخلها والتي تقابل ما يُصطلح عليه بـ ( الضمير ) ، حتى لا تندفع مع تيار النفس الجامحة التي تأمر بالسوء والشيطان الذي يُزيِّن ذلك السوء . ـ كما دعاها إلى احترام سمعتها ومكانتها في المجتمع حتى لا تطالها الألسن بالسوء والرِّيبة والانتقاص والتسقيط ، فتلك مريم (عليها السلام) مثال العفّة والصون للمرأة المسلمة الملتزمة تقول في صدد رعايتها لسُمعتها الأنقى من الزلال : (يا ليتني مِتُّ قبل هذا وكنتُ نسياً منسيّاً ) (2) ، خاصّة بعدما عرفها قومها بعـفافها الذي كان يُضرَب مثلاً للنسـاء : (قالوا يا مريمَ لقد جئتِ شيئاً فريّاً * يا أختَ هارون ما كان أبوكِ امرأ سوء وما كانت أمُّكِ بَغِيّاً ) (3) .
|
|