عالم المرأة

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب: المـرأة بين الواقع التاريخي والدور المغيّب


شقائق الرجال

ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) القول المُعبِّر التالي : «إنّما النساء شقائق الرجال»(9) .
إذ يلخص هذا الحديث الموحي الجامع حقيقة العلاقة بين الرجل والمرأة في الحياة الإسـلامية وحقيقة كونهما يعودان إلى أصل واحد ، على أن العلاقة المذكورة محكومة بالخصائص الطبيعية ، التي يمتاز بها أحـدهما دون الأخر ـ كما سـيتضح في ثنايا البحث ـ ، فالشـقيق في المصطلح اللغوي يفيد الانتهاء إلى أب وأم واحدة (10) ، وهو اكثر قرباً من الأخ غير الشقيق الذي يختلف أحياناً في الأم دون الأب وأقوى لحمة فكثير من الأخـوة من البشر يرجعون إلى أب واحد ، إلاّ أنّ أمهاتهم تتعدّد .. أمّا الأشقاء ، فانهم يجتمعون في الأب والأم معاً ..
وهذا القول النبوي يشكل أوضح الدلالات على الكيان الواحد للجنسين .
إذ أنّ النبي المعصوم عليه وآله الصلاة والسلام ، كان يعني ما يقول حين استعمل هذا المصطلح «شقائق» دون لفظة «اخوة» مثلاً.
ففي معاجم اللغة العربية إشارة واضحة إلى أن هذه اللفظة وما هو على شاكلتها تعني أن هناك شيئاً واحداً انشق إلى نصفين متساويين ، ومنه الاشتقاق في اللغة ،وهو نزع لفظ من آخر ، كما ورد في اللغة إنَّ الشق من كل شي هو: ما يطلق على النصف من كل شي . . .(11) .
وهكذا يتضح أن استعمال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لهذه اللفظة ، إنما أراد من خلالها أن يحدد الموقع الحقيقي للمرأة في الوحدة الإنسانية وعلى ضوء ذلك تحدد المهام والحقوق في إطار الخصائص الذاتية لكلا الجنسين الذي يشكل أحدهما نصف الأخر .
إنّ قراءة النصوص الأصـيلة والتدبّر فيها ، سواء كانت نصوص قرآنية أو أحـاديث نبـوية ، تعكس الواقع الحقـيقي لفلسـفة الخلق ، ووجود الذكر ، والأنثى ، وتكامل دورهما في هذا الوجود ، لتحقيق مقصود الله من الخلق .
وتكامل هذه الأدوار الحضارية العظيمة لا بدّ أن تتأتّى من اختلاف المهام ، التي يتطلبها الاختلاف في التركيبة الجسمية ، والنفسية بما يناسب المهام العظيمة التي أوكلت لكل من الجنسين ، ليتم التكامل على أحسن وجه واكمله ، ولعل التعبير القرآني الآتي يبين جانباً من الحقيقة الكبرى حين يقول :
(أو مَن يُنَشَّؤا في الحلية وهو في الخِصام غير مُبين ).(الزخرف/ 18)
حيث أنّ الضرورة الكونية، فرضت أن تنشأ المرأة في الحلية، فتميل إلى الجمال ، والاغراء ، لحاجة الوجود إلى ذلك ، لا نقصاً فيها كشقيق للرجل ، ولا انزالاً للمرأة عن مستوى الإنسانية الرفيعة أبداً.
هذا و تؤكد هذه المعاني جملة في النصوص الأصيلة الأخرى :
(يا أيّها الناسُ اتّقوا ربّكم الّذي خلقَكُم من نفس واحدة وخلقَ منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساء). ( النساء / 1 )
(فاستجابَ لَهُم ربّهم أنِّي لا أضيِّع عملَ عامل منكُم من ذكر أو أنثى بعضكُم من بعض ). ( آل عمران/ 195 )
فالمرأة والرجل كلاهما بشر من أصل واحد ، لا تفضيل لأحدهما على الآخر الا بدرجة العطاء ، وأداء المسؤولية ، والنهوض بالمهام الموكلة إليهما في إثارة الحياة ، وبناء الحضارة ، وتحقيق أهداف الرسالة الإلهية المباركة .
(ومَن يعمل من الصّالحاتِ مِن ذكر أو أنثى وهو مُؤمن فأولئكَ يدخلونَ الجنة ولا يُظلَمونَ نقيرا ). ( النساء / 124 )
وبعد أن يرسخ الإسلام الحنيف هذا المبدأ الحق ، وهو كون الرجل والمرأة من عنصر واحد، وأصل واحد، لا كما ترى الجاهلية يومذاك، يشيِّد كافة البنى الفوقيـة للبناء الحضاري الجديد للإنسانية التي يشارك الرجل والمرأة معاً في بناء حضـارتها الطاهرة كل بامكاناتـه الفعلية المتاحة ـ كما سيتضح ـ .
وهناك سلسلة من المشاريع والخطط المتسلسلة ، التي يترتب بعضها على بعض في منظومة تشريعية رائعة ، ويستند بعضها على بعض ، ويكمل بعضها بعضاً . . .
ويمكننا أن نجملها هنا في المحاور الآتية :

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com