قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: المـرأة بين الواقع التاريخي والدور المغيّب
المرأة في الأُسرة والمجتمع
اتضح مما سبق من حديث طبيعة المكانة التي تحتلها المرأة في مجتمع الحضارة الإسلامية ، والموقع الذي أحلها الإسلام الحنيف فيه جنباً الى جنب مع الرجـل ، وفقاً للنصـوص الدينية المقدّسـة ، أمّا الشروح ، والتفسيرات لبعض تلك النصوص ، وما جرى فيها من تعسف وتزوير بحكم التأثر بالواقع الاجتماعي ، والثقافات الشخصية للمفسر أو الفقيه وحتّى للراوي ، الذي يتحكّم أحياناً ببعض الروايات حسب ذوقه الاجتماعي ، والثقافي . فانّها أعجز عن أن تعكس المكانة التي حددها الإسلام الحنيف للمرأة في المجتمع الذي يصنعه الإسلام ويشيده ، حيث يواجه الباحث في شؤون المرأة في مجتمع الحضارة الإسلامية نوعين من الآثار ، يمثل أحدهما : النصوص الأصيلة التي تشكِّل النصوص الدينية المقدّسة التي وردت في القرآن الكريم ، أو صدرت مباشرة من المعصـوم (عليه السلام) ، وهـناك آثار وروايات ـ وهي تشكِّل النمط الثاني من تلك الآثار ـ لم تصل الى مستوى النص المقدّس في قيمتها الدينية وهي أما أن تكون قد صدرت من صحابي أو تابعي أو فقيه أو حاكم أو مفسر ، وهذه النماذج جميعها لا تعكس أصالة النص الديني ، ولا قدسيته في كثير من الأحيان . . على أننا قد نواجه نصوصاً مقدسة اسيء فهمها أيضاً ، فاستعملت للحط من مكانة المرأة في المجتمع ، والحياة ، والحضارة ، رغم أنها مربوطة بزمن معين أو حادث خاص أو حالة خاصة ، وهذا النوع من النصـوص يحتاج الى عقل مفـتوح للتعامل معه ، ومعرفة خلفـياته وأسباب صدوره ، تماماً كما نتعامل مع أسباب النزول بالنسبة للآيات القرآنية الكريمة . . . هذا ومن الجـدير بالذكر أن بعض الأحاديث ، والروايات قد تصدّى لوضعها بعض الوضاع التقليديين الذين ابتلي بهم الإسلام الحنيف عبر عصور مختلفة، كالعصر الأموي مثلاً الذي شهد أسوأ عمليات التزييف للأحاديث النبوية ، والدس في السنة الشريفة لأهداف سياسية ، وثقافية ذكرها المؤرِّخون(14) . إنّ مشكلة النصوص الخاصة بشؤون المرأة في الحياة الإسلامية إنها تعرّضت الى التعسّف . والتزييف تبعاً للتزييف الذي حصل في هيكلية الثقافة الإسلامية التي صاغتها النصوص الدينية المقدسة الصادرة من الحق تعالى أو من رسـوله الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وذلك بعد الانتكاسة التي حلت بالمسلمين في العهد الأموي ، وفتح الروافد الجاهلية على الثقافة الإسلامية من قبل المتصدين للقيادة في حياة المسلمين العامة حيث فتحت روافد الثقافة النصرانية واليهودية على الثقافة الإسلامية من خلال بعض العناصر التي أسلمت حديثاً ـ ربّما لأغراض سياسية وثقافية ـ مثل كعب الأحبار، وتميم الداري، وأمثالهما الذين كان لهم دور خبيث ومؤثر في تسلل الثقافة الإسرائيلية الى الحياة الإسـلامية ، علاوة على الردة الثقافية التي حدثت في العهد الأموي ، بالعودة الى الثقافة الجاهلية العربية المألوفة ، وما تعكس من قيم ومفاهيم، وعادات قبلية رجعية اضافة الى ثقافات البلاد المفتوحة كالثقافة الرومية الوثنية ـ النصرانية في بلاد الشام التي تأثر بها حكام الدولة ، وفقهاؤهم . والثقافة الفارسية الجاهلية القديمة التي تأثرت بها المناطق المجاورة حتّى اننا نجد العديد من الشعراء ، والمستشارين السياسيين من غير المسلمين في القصور والدواوين الأموية ، كالأخطل ، الشاعر النصراني المقرّب من القصر ولسانه الاعلامي ، وسرجون الرومي المستشـار السياسي للقصر الأموي منذ عهد معاوية ، وأمثال ذلك . . . إنّ هذه الأمور ، وأمثالها هي التي ساهمت بشكل أو بآخر في التعتيم على حقائق الإسلام الناصعة ، وتزييفها ، والاضرار بها ، ومنها موقع المرأة في المجتمع الإسلامي ، والحضارة الإسلامية المباركة . إنّ الدارس لدور المرأة في الأسرة ، والمجتمع ، والعمل الاجتماعي ، والسياسي ودورها في الاقتصاد ، والثقافة ، والفن ، وما الى ذلك يجد النصوص الأصيلة في الشريعة الإسلامية الخاتمة تمنح المرأة دوراً مماثلاً لشقيقها الرجل ، إلاّ فيما تفرضه قدراتها الطبيعية ، والنفسية المتاحة ، اضافة الى رعاية الإسـلام لمبدأ الفضـيلة في المواقع التي تتحرّك فيها المرأة وتؤدي مسؤوليتها من خلالها ، ودون ذلك لم توضع أية حواجز في طريق المرأة للوصول الى أي موقع اجتماعي أو سياسي أو اقتصادي أو ثقافي . . . فعلى صعيد الخصائص البيولوجية ، والنفسية المتميزة للمرأة نترك الدراسات العلمية الحديثة لتقول كلمتها في ذلك .. يقول الدكتور الكسيس كاريل الحائز على جائزة نوبل بسبب أبحاثه الطبية المتميزة حول خصائص الجنسين : الرجل والأنثى ما يلي(15) . «إنّ الاختلافات الموجـودة بين الرجل والمرأة لا تأتي من الشكل الخاص للأعضاء التناسلية ، ومن وجود الرحم والحمل ، أو من طريقة التعليم . إذ أنها ذات طبيعة أكثر أهمية من ذلك . .إنها تنشأ من تكوين الأنسجة ذاتها ومن تلقيح الجسم كلّه بمواد كيمائية محدّدة يفرزها المبيض. ولقد أدّى الجهل بهذه الحقائق الجـوهرية بالمدافعـين عن الأنوثة الى الاعتقاد بأنه يجب أن يتلقى الجنسان تعليماً واحداً، وان يمنحا قوى واحدة ومسـؤوليات متشابهة والحقيقة ان المرأة تختلف اختلافاً كبيراً عن الرجل . فكل خلية من خلايا جسمها تحمل طابع جنسها .. والأمر نفسه صحيح بالنسبة لأعضائها . وفوق كل شيء ، بالنسبة لجهازها العصبي . فالقوانين الفسيولوجية غير قابلة للين مثل قوانين العالم الكوكبي .. فليس في الامكان احلال الرغبات الإنسـانية محلها . ومن ثم فنحن مضطرّون الى قبولها كما هي . فعلى النساء أن ينمين أهليتهنّ تبعاً لطبيعتهنّ دون أن يحاولن تقليد الذكور ، فان دورهنّ في تقدّم الحضارة أسمى من دور الرجال ، فيجب عليهنّ ألاّ يتخلين عن وظائفهنّ المحدّدة» . إنّ اختيار هذا النص العلمي يراد منه اعطاء صورة واضحة عن التمايز البيولوجي والسيكولوجي بين المرأة والرجل، الأمر الذي يساهم في تحديد الوظائف التي تسند الى كل منهما بناء على تلك المؤهلات التي يشير العلم الحديث إليها مما يؤيد التصور الإسلامي لاسناد المهام ، وتمييز الأدوار بين الجنسين في المجتمع المسلم . هذا ويمكننا أن نخرج بتصوّرات كاملة عن خصائص الرجل والمرأة ودور تلك الخصائص في بناء الحياة الإنسانية، من قراءة كتاب الدكتور كاريل ، الإنسان ذلك المجهول أو كتاب، دراسة الإنسان للدكتور رالف لنتون الذي كان من أعاظم علماء الانثروبولوجيا في العالم(16) . كذلك يمكن ملاحظة هذه الحقائق الطبيعية للجنسين من خلال ما عرضته الدكتورة كاميليا ابراهيم عبد الفتاح في كتابها: «سيكلوجية المرأة العاملة» ، وأمثالها من مؤلفات علمية محايدة . إنّ أي مشروع حضاري بنّاء لابد له من دراسة خصائص المرأة والرجل البيولوجية والسيكلوجية قبل أن يقدم على توزيع الأدوار عليهما لخلق حضارة إنسانية راشدة . . الأمر الذي عمد إليه الإسلام الحنيف ، وقدم للإنسانية من أجل ذلك منظومة تشريعية مفصلة ، وضعها خالق الإنسان ذاته الذي يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور، من أجل أن تبنى على ضوئها الحياة ، وتقام الحضارة ، وتؤسس الأمجاد الإنسانية الفاضلة .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|