اسم الكتاب: المـرأة بين الواقع التاريخي والدور المغيّب
1 ـ الحاجة الجنسية لبعضهما
وهذه الحاجة الطبيعية من الحاجات المشتركة بين الجنسين فكل منهما بحاجة إلى الجنس الآخر ، وليس من الصحيح القول : انّ المرأة متعة للرجل كما أشاعته الثقافة الرجعية البائسة و إنما الرجل متعة للمرأة كذلك سواء بسواء .. إنّ الثقافة الاجتماعية السائدة في المجتمعات البشرية المختلفة هي التي عمقت الاعتقاد بان المرأة متعة للرجل حيث يغذي هذا التصور تحرك الرجل من اجل الزواج ،وقيامه بعدة فعاليات اجتماعية لتحقيق هذا الغرض كالخطبة ، والتعبير عن رغبته للزواج وما إلى ذلك .. بينما لا تمارس المرأة هذا الدور خصوصاً في المجتمعات الشرقية بسبب الحالة الثقافية والأعراف الاجتماعية الخاصة التي تمنع من ذلك . إنّ هذه الأعراف هي التي ساهمت بشكل أو بآخر باعطاء الانطباع المذكور بينما نجد أن الثقافة الإسلامية الأصيلة تضع زمام المبادرة بيد المرأة و الرجل على حدٍّ سواء : عن محمد بن مسلم عن حفيد رسول الله أبي جعفر الباقر(عليه السلام)، قال : جاءت امرأة إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت : زوِّجني ، فقال : من لهذه ؟ فقام رجل ، فقال: أنا يا رسول الله ، قال : ما تعطيها ، قال : ما لي شيء .. إلى أن قال .. فقال : أتحسن شيئاً من القرآن ؟ قال : نعم ، قال : قد زوّجتكها على ما تحسن من القرآن ، فعلِّمها إيّاه (18) . ـ عن أبي عبد الله الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) : في رجل يريد أن يزوج أخـته ، قال : يؤامرها ، فأن سكتت فهو إقرارها ، وأن أبت لم يزوجها ، قالت: زوجني فلاناً زوجها ممن ترضى(19) . ـ استشار عبد الرحمن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) في تزويج ابنته لابن أخيه ، فقال: افعل ويكون ذلك برضاها ، فأن لها في نفسها نصيباً ، واستشار خالد بن داود أبا الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) في تزويج ابنته علي بن جعفر ، فقال (عليه السلام): افعل ، ويكون ذلك برضاها ، فأن لها في نفسها حظاً (20) . ـ عن عبد الله بن عباس (رضي الله عنه) قال: جاءت امرأة ثابت بن قيس إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقالت: يا رسول الله : ما أنقم على ثابت في دين ولا خلق ، إلاّ إنِّي أخاف الكفر ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : فتردِّين عليه حديقته ، فقالت : نعم ، فردّت عليه ، وأمره ، ففارقها (21) . ـ وعن ابن عباس (رضي الله عنه) قال: ان جارية جاءت إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقالت له : إن أبي زوّجني من ابن أخ له ، وأنا كارهة له ، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : أجيزي ما صنع أبوك فقالت : لا رغبة لي فيما صنع أبي ، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : اذهبي ، فأنكحي مَن شئت(22) . وهكذا نجد الكثير من الأحاديث الشريفة التي تمنح الحرية للبكر الرشيدة أن تختار من تشاء من الأزواج ، على أن هناك روايات أخرى تفيد أنّ للأب ولاية على البكر أمّا مطلقة أو على أن لا يستقل بالرأي دونها ، وقد ناقشها الشيخ محمدجواد مغنيه مناقشة مستفيضة معتمداً على بعض الروايات الأكثر صحة ، وشهرة ، ومستفيداً من آراء كبار الفقهاء، وقد انتهى، بما انتهى إليه صاحب الجواهر (رضي الله عنه) في عدم الحاجة إلى ولاية الأب في زواج البكر الرشيدة على مستوى الوجوب .. وما أروع ما وجّه به الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) سائليه حول هذه المسألة حيث قال : إذا كانت المرأة مالكة أمرها ، تبيع ، وتشتري ، وتعطي مالها من تشاء ـ أي غير سفيهة ـ فانّ أمرها جائز تتزوّج إن شاءت بغير ولي ، وان لم تكن كذلك ، فلا يجوز تزويجها إلاّ بأمر وليها (23) . . فولاية الأب على الفتاة أو عدمها ، تفرضه حالة الفـتاة نفسها من حيث تمتعها بالرشد أو فقدانها له، والرشد في منطق الشريعة ، هو حالة تعكس حسن تصرّف الفتاة وحسن اختيارها كما يستفاد من الروايات الشريفة الآنفة الذكر. وهكذا يتضح من خلال هذه الروايات و غيرها أن الشريعة الإسلامية لا تقيد حرية المرأة في اختيار شريك حياتها أبدا ، كما هو موقفها من الرجل ، وما نجده في بعض المجتمعات من عادات مغايرة ، إنما هو مغاير لروح النصوص الاسلامية الأصيلة المقدسة.
|
|