قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: المـرأة بين الواقع التاريخي والدور المغيّب
العلاقات بين الجنسين ، كيف يُنظِّمها الاسلام ؟
إنّ أساس وجود الجنسـين : الرّجل والمرأة في الحياة الانسانية يفرض اجتماعهما في الحياة العامّة ، ويوجب تعاونهما ; لأنّ اجتماعهما وتعاونهما ضروري للحياة ، وبناء الحضارة ، وإثارة الحياة من حولهما .. بيدَ أنّ هذا التعاون لا يتمّ بشكل صحيح سليم وبنّاء ، إلّا بتنظيم العلاقات الجنسية بين الرّجل والمرأة ، وتنظيم شكل العلاقة بينهما .. ومن الطبيعي أن يعتمد هذا النظام والتنظيم على طبيعة النظرة للعلاقات بين الجنسـين ، فإذا كانت النظرة لهذه العلاقات قائمة على أساس أ نّها صلة بين ذكر وأنثى ، فانّ هذه النظرة تستتبعها إشاعة الفكر الجنسي ، الذي يثير الغريزة الجنسية ويُحرِّكها، لتتطلّب الاشباع ، وما يتبعها من صلات جنسية ، بوسائلها المعروفة في عالم الغرب .. أمّا اذا كانت النظرة للعلاقة بين الجنسين قائمة على أساس الهدف الذي خلق الله عزّ وجلّ الغريزة الجنسية من أجله ، وهو بقاء النوع الانساني ، واستمرار الحياة ، فإنّ الصلات الجنسية بين الرّجل والمرأة إنّما تتحقّق من خلال الزّواج فحسب . إنّ الاختلاف بين النظرتين للعلاقة بين الرّجل والمرأة ، هو الذي يحدِّد طبيعة العلاقة بين الجنسين ، ونوعها ، ووسائلها كذلك . ولذا، فبناءً على النظرة الغربية المادية لتلك العلاقة ، تشيع الحضارة الأوربية بالوسـائل المختلفة ، الأفكار الجنسية الفاضحة من خلال القصص والأدب والفن والشعر والموسيقى والسينما والمسرح والفضائيات ، والانترنيت ، كما تشيع الاختلاط بين الرّجل والمرأة ، دون مُبرِّر في المدارس والنوادي والحمّامات والسِّباحة وما إلى ذلك ، حيث تتحدّث الأرقام المُذهلة ـ بناءً على ذلك ـ عن النتائج الخطيرة لهذه الظاهرة ، كشيوع الفاحشـة ، والاغتصاب ، والحمل بين الفتـيات من البغاء ، والخيانة الزوجية ، وانتشار مرض الأيدز ، وارتفاع نسبة الطّلاق ، وقلّة النّسـل في كثير من بلدان أوروبا ، وما إلى ذلك ... ولا يعني ذلك أنّ المجتمعات الشرقية في منأى عن هذه المخاطر ; لأنّ التأثّر بالنـظرة الأوروبية للصِّلات بين الرجل والمرأة القائمة على الجنس ، والشهوة ، قد نقل الأمراض التي ابتليت بها المجتمعات الغربية إلى الشرق بنسب مختلفة ، حسب درجة ذلك التأثّر بالحضارة الغربية وثقافتها وطريقة العيش في مجتمعاتها . أمّا النظرة الاسلامية الى العلاقات بين الجنسين في المجتمع الذي يصنعه تحت رعايته ، وينضبط بقيمه وأحكامه وآدابه ، فهي تقوم على أساس حفظ النوع الانسـاني ، كما تشـير النصـوص التي تحضّ على الزّواج في المجتمع المسلم ، من قبيل : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «مَن كان يحبّ أن يتّبع سنّتي ، فليتزوّج ، فإنّ من سنّتي التزويج ، واطلبوا ((29)) الولد ، فإنِّي أُكاثِر بكم الاُمم غداً» (30) . إذ ليس إشباع الغريزة الجنسية في الاسلام الحنيف غاية بذاته أبداً ، كما أنّ إثارة هذه الغريزة تأتي من المؤثّرات الخارجية; كالأفكار الجنسية، والآداب والفنون والاختلاط ، وما إلى ذلك ، إضافة إلى تداعي المعاني، خِلافاً لغريزة المعدة ـ مثلاً ـ التي تُثار داخلـيّاً ، فالجوع والحاجة إلى الطّعام تفرض على الانسان بشكل ذاتي، أن يتناول طعامه أو ما يسدّ به رمقه ، سواء رأى الطّعام أو لم يَرَه ، خلافاً للغريزة الجنسية التي تُحرِّكها المؤثّرات التي ذكرنا ـ قبل قليل ـ . ومن هنا ، فانّ الاسـلام الحنيف ، يرى أنّ إشاعة الثقافة الجنسـية المثيرة من خلال الأفلام ، والقصص ، والآداب ، وما إلى ذلك هي من الاُمور الُمحرِّضة على إشاعة الفاحشة ، كما أنّ الاسلام يمنع من الخلوة التامّة بين الرّجل والمرأة، ويمنع من النظر بين الرّجل والمرأة نظرة جنسية «النظر بشهوة في المصطلح الفقهي»(31) ، كما ينهى عن تبرّج المرأة في الأماكن العامّة ، وينهى عن زينتها أمام غير محارمها ، وغير ذلك ممّا هو مُبيّن في فقه الاُسرة ، كلّ ذلك من أجل الحفاظ على مجتمعه ، وتنظيم العلاقات بين الجنسين في أجواء من الطّهر والعفّة وحسن الأداء ، لقيام مجتمع متميِّز في نظرته لدور كل من الرّجل والمرأة ، وطبيعة الصِّلات بينهما .. على أنّ السبيل الوحيد الذي يضمن تحقيق ذلك اللّون من العلاقات في المجتمع ، هو الاعتماد على الناحية الروحية ، واستشعار وجود الله عزّ وجلّ ، والتمسّك بالمنظومة التشريعية المباركة التي صدعَ الرسول الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم) بها .. فالإسلام ، يتعامل مع الرّجل والمرأة على أ نّهما بشر وإنسان ، فيهما الغرائز والمشاعر والنزعات والميول والعواطف ، وهما يتمتّعان بالعقل، وانّ من حق هذا الانسان المكرّم عند الله خالقه سبحانه وتعالى ، سواء أكان رجلاً أو امرأة أن يتمتّع بالطيِّبات التي أخرجها الله له ، وأن ينعم بحياة لذيذة هانئة ، وأن يأخذ بأوفر نصيب من نعم الحياة ، وفرصها التي أتاحها الله عزّ وجلّ .. والإسلام الحنيف بقيمه ومفاهيمه وأحكامه ، يتعامل مع غريزة النوع: الغريزة الجنسية، على أ نّها غريزة لبقاء النوع الانساني واستمرار وجوده ، فينظِّم العلاقات بين الذكورة والأنوثة ، بالشكل الذي يُحقِّق أهداف الخلق التي أوجدها الخالِق عزّ وجلّ ، من إيداع هذه الغريزة في الانسان ، فيُنظِّمها تنظيماً دقيقاً ، في اطار نظام تشريعي رائع ، يوفِّر من خلاله تحقيق الغايات العُظمى التي خلق الله تعالى الغريزة الجنسية من أجلها ، فأودعها في الانسـان ، ويقيم طرازاً من الصِّـلات بين الذّكر والاُنثى في ظلِّ المجـتمع الاسلامي ، يضمن فيه المحافظة على أهداف الخَلق ، ويُرسِّخ أقدام الفضيلة والطّهارة والقيمة الخلقية في مجتمعه ، ويُحـقِّق التعاون والتكامل بين الرجل والمرأة بالشكل الذي يُحقِّق أهدافهما ومسؤوليّتهما الانسانية والرسالية في الحياة ، في إقامة الجماعة الصالحة والمجتمع السعيد والحضارة الربّانية الكريمة .. ومن أجل ذلك ، فقد حصر الاسلام الصِّلات الجنسية ، أي صلة الرّجل والمرأة بالزّواج دون غيره ، ومنعَ من تعاطي أيّة صلة أخرى . يقول الباري عزّ وجلّ بهذا الصّدد في الآية الكريمة : (والّذينَ هُم لِفُروجِهِم حافِظون * إلّا على أزواجِهِم أو ما مَلَكَت أيمانهم ، فانّهم غير ملومين * فَمَن ابتَغى وراء ذلك ، فأولئكَ هُم العادون ) . ( المؤمنون / 5 ـ 7 ) وأرسى الاسـلام قواعد الصِّلات الرحمية بشكل رائع ; كالاُبـوّة والاُمومة والبنوّة والاُخوّة والعمومة والخؤولة ، وجعلها رحماً محرّماً .. وقد أباح الاسـلام الحنيف للمرأة ما أباحه للرّجل في ممارسـة الأعمال التجارية ، ومزاولة الزراعة والصناعة ، ودراسة العلم ، وحضور الصّلوات ، والاجتماعات الدينية والفعاليات السياسية ، والتوفّر على أداء المسؤولية الأدبية والشرعية والوطنية في المجتمع . ولقد اعتبر الاسلام الحنيف : التعاون بين الرّجل والمرأة في شؤون الحياة المختلفة ، أمراً ثابتاً ، وضروريّاً لإثارة الحياة ، وبناء الحضارة الانسانية .. فجميع الناس عباد الله عزّ وجلّ ، والكل مدعوّون لعمل الخير ، وإقامة المعروف ، وبناء الحياة ، وصناعة المجد للانسانية .. ودعوة الاسلام جاءت عامّة للذّكر والاُنثى ، دون اسـتثناء ، وما جاء من استثناءات في الأحكام والمسؤوليات ، سواء أكانَ للرّجل أم للمرأة ، فإنّما جاء بناءً على الخصائص التكوينية والطبيعية لكليهما ، فالأحكام بالنسبة للرّجل والمرأة تدور مدار طبيعة كل منهما وخصائصه الطبيعية ، وما يتعلّق بقضايا الطّهارة ونظافة العلاقات بين الجنسين لا غير ، وإلّا فانّ جميع الفرائض والمهام والأحكام يُخاطَب بها الرِّجال والنِّساء معاً .. فالدعوة الاسـلامية ، والنداء الربّاني ، توجّهان للرِّجال والنِّساء معاً ، لا فرق بينهما .. يقول تعالى : (يا أ يُّها النّاسُ إنِّي رسولُ اللهِ إليكُم جميعاً ) ، وأوّل مَن لبّى دعوة الرسالة الخاتمة في بداياتها ، كان رجلاً وامرأة ، هما أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ، وخديجة بنت خويلد أُم المؤمنين (عليه السلام) . وشهدت قافلة الهجرة الاُولى للحبشة رجالاً ونساءً !! وكانت أوّل شهداء الدعوة الاسلامية وضحاياها ، إمرأة شهيدة هي : سميّة أم عمّار بن ياسر (رضي الله عنه) . والدعوة الربّانية للعمل بأحكام الاسلام وفرائضه، والتزام حدوده موجّهة للرّجل والمرأة معاً ، لا فرقَ بينهما كذلك : (يا أيُّها الّذينَ آمَنوا استجيبوا لله وللرّسول إذا دعاكُم لما يُحْييكُم ... ) . (وأقيموا الصّلاةَ ، وآتوا الزّكاة ) . (يا أيُّها الّذينَ آمَنوا كُتِبَ عَليكُم الصِّيام ، كما كُتِبَ على الّذينَ مِن قَبْلِكُم ) . وهكذا في سائر الأحكام والتوجيهات ، دون ما يتعلّق منها بالخصائص الطبيعية لكل من الجنسـين ، ومهمّة الحفاظ على نظافة المجتمع وطهارته من التجاوز والاعتداء والفساد ، وتخطِّي حدود الآداب العامّة . ونذكر من هذه الأحكام الخاصّة ما يلي : 1 ـ فرض الاسلام لباساً خاصّاً للمرأة ، يغطِّي تمام جسدها دون الكفّين والوجه، طالما خالطت غير محارمها في العمل والسوق والمدرسة والمستشفى وغيرها .. وبناءً على ذلك فإنّ الزي الاسلامي الخاص للمرأة ، إنّما صمّمه الاسلام الحنيف من ألج أن تُمارس المرأة دورها الطبيعي في الحياة العامّة كإنسان ، مع الاحتفاظ بنظافة العلاقات مع الرجـل بعيداً عن الإثارات الجنسية ، واستغلال الفضوليين لها ، أمّا في حياتها الخاصّة ، فالمرأة حرّة في حياتها المذكورة . يقول الله عزّ وجلّ : (يا أيّها النبيّ قُل لأزواجِكَ وبَناتِكَ ونِساءِ المؤمنينَ يُدنين عليهنّ من جَلابيبهِنّ ... ) . (ولا يُبدينَ زينتهنّ إلّا ما ظهرَ منها ، وليضربنَ بخمرهـنّ على جيوبهنّ ) . 2 ـ ألزَم التشريع الاسلامي كلّاً من الرّجل والمرأة بغضِّ البصر المُفضي إلى التلذّذ الجنسي والإثارة الجنسية ، قال الله تعالى : (قُل للمُؤمنينَ يَغضّـوا من أبصارِهِم ، ويحفظُوا فُروجِهِم ، ذلكَ أزكى لهم ، إنّ اللهَ خَبيرٌ بما يَصـنعُون ، وقُل للمُؤمناتِ يغـضضنَ من أبصارهنّ ، ويَحفظنَ فُروجهنّ ... ) . 3 ـ منعت الشريعة الاسـلامية من الخلوة التامّة بين الجنسـين ، في مكان خاص ، خوفاً من الفتنـة ، ودرءً للعلاقة الجنسـية في غير موقعها .. فعن الإمام أبي عبدالله جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) ، عن آبائه ، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال : «فيما أخذَ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) البيعة على النِّساء ، أن لا يحتبين ، ولا يقعدنَ مع الرِّجال في الخلاء» (32) . 4 ـ حرصَ الاسـلام الحنيف على الفصل بين جماعة النِّساء عن جماعة الرِّجال في الحياة الخاصّة لكلا الجماعتين . فعيش النساء لا بدّ أن يكون مع النساء أو مع محارمهِنّ من الرِّجال في الحياة الخاصّة في المنازل ، وكالأقسـام الداخلية للطلبة ، كما تعزل مدارس الشباب عن الشابّات في المجتمع الاسـلامي ، كذلك فانّ لهو النِّسـاء في الأعراس والأفـراح لا بدّ أن يكـون معـزولاً عن مجتمع الرِّجـال ، كذلك في مستشفيات الأمراض النسائية وغير ذلك . أمّا في الحياة العامّة ; كالبيع والشراء ، والمهن الحرّة ، والوظائف الحكومية، فلا يُفصل الرِّجال عن النِّساء; لأنّ الاحتياطات التي جعلها الاسلام بخصوص فصل الرِّجال عن النِّساء ، إنّما هدفها الأساس هو الحفاظ على طهارة المجتمع المسلم، وإبعاده عن الإثارة الجنسية المحرّمة، والاجتماع الجنسي المحظور، بناءً على أنّ نظرة الاسلام للغريزة الجنسية ، انّها وسيلة لحفظ النوع الانساني ، يشبعها الناس من خلال طرق محدّدة ، وهي كما يكون أمر إشباعها محظوراً خارج اطار الزّواج ، فانّ إثارتها خارج تلك الاُطر يكون محظوراً كذلك . ولذا فانّ الاسلام الحنيف يحرص على منع الاجتماعات التي تثير غريزة الجنس بين الجنسين ، لكي يبقى المجتمع محتفظاً برزانته وطهره ، وتظلّ العلاقات بين الرِّجال والنِّساء علاقات تعاون ، وتدبير لشؤون الحياة والمجتمع وللمصالح العامّة .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|