قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: المـرأة بين الواقع التاريخي والدور المغيّب
المرأة في الحياة السياسية
سبقَ لنا أن أشرنا فيما مضى من صفحات إلى أنّ موقع المرأة في الحياة الاسلامية قد شابهُ الغموض والتشويه ، لعدّة عوامل ، كان في طليعتها : اختلاق نصوص مُشوِّهة لدور المرأة ، أو اساءة فهم بعض النصوص الصحيحة ، أو تعميم نصوص صدرت في مناسبة خاصّة مُحدّدة، وأمثال ذلك . ومن أجل هذا وذاك من أمور ، اختفت الصورة الناصعة لدور المرأة في الحياة الاسلامية ، وفي بناء الحضارة ، فما هو موقع المرأة في الحياة السياسية يا ترى ؟ من المناسِب أن نؤكِّد ابتداءً أنّ النصوص الاسلامية السياسية الأصيلة لم نجد فيها ما يحرم المرأة من حق سياسي أو يمنعها من مهمّة أو مساهمة سياسية ، وأنّ الغالبية العُظمى من النصوص السياسية الاسلامية تُخاطِب الانسان عموماً ، رجلاً وامرأة ، على حدٍّ سواء : فإقامة الدين ، وإرساء قواعد الحضارة الاسلامية ، ومنها بناء الدولة ، وإرساء قواعد المجتمع الاسلامي من مهام الرّجل والمرأة ، على حدٍّ سـواء ، يتحمّل كلاهما مسـؤولية العمل من أجله ، بالوسـائل المشروعة المُتاحة ، يقول تعالى : (شَرَعَ لكُم مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَا لَّذي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ وَمُوسى وَعيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفرّقُوا فيه ... ) . ( الشورى / 13 ) والولاية السياسية بين أبناء الاُمّة الاسلامية ونصرة بعضهم لبعض ، القائمة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والتعاون ، والتناصر ، والتناصح ، تنهض بها المرأة إلى جنب الرّجل سواء بسوا : (المُؤمنون والمُؤمنات ، بعضهم أولياء بعض ، يأمرونَ بالمعروف ويَنهونَ عن المنكر ) . ( التوبة / 71 ) والبيعة السياسية للقيادة العُليا ، تشمل الرِّجال والنِّساء معاً ، دون استثناء : (يا أَيُّها النبيّ إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلَى أَن لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئاً وَلاَيَسْرِقْنَ وَلاَيَزْنِينَ وَلاَيَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ وَلاَيأْتِينَ بِبُهْتان يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلاَ يَعْصِـينَكَ في مَعْرُوف فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ الله ) . ( الممتحنة / 12 ) وفي بيعة العقبة التي جرت بين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وجمع من الأنصـار ، كان ذلك الجمع يضمّ رجالاً ونساءً ، وقد بايعـوا الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) على أن يمنعوه بما يمنعون به نساءهم وأبناءهم ، وكانت تلك البيعة بيعة سياسية . وقد أكّدت النصوص الشرعية الأصيلة أنّ المرأة كانت تناقش القيادة العُليا ، حتّى تجادل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في شؤونها الخاصّة : (قَد سمعَ اللهُ قولَ التي تُجادلكَ في زوجِها ، وتشتكي إلى الله ، واللهُ يسمعُ تحاوركما ... ) . ( المجادلة / 1 ) والشورى في إدارة الحكم الاسلامي ، وفي اختيار القائد الأعلى ـ في عصر غيبة المعصـوم (عليه السلام) ـ عامّة لجميع المسلمين ، ولم تستثنَ النِّساء من هذه العملية أبداً ، وإنّما هو مهمّة سياسية ، يُباشرها الرِّجال والنِّساء في ظلِّ التجربة الاسلامية : (وأمرهُم شورى بينهم ... ) . ( الشورى / 38 ) وآية الشورى وما قبلها من نصوص ، تؤكِّد أنّ بإمكان المرأة أن تُباشر الحياة السياسية في أعلى صورها ، فتكون عضواً في المجلس النيابي للاُمّة ، وتختار وترفض وتناقش وتتظاهر وتعترض وتساهم في مختلف النشاطات السياسية . كما انّ بمقدورها أن تأمر الحاكم بالمعـروف ، وتنهاه عن المنكر ، حسب قانون المحاسبة والأمر بالمعروف في الشريعة المقدّسة .. وللمرأة في الحياة الاسـلامية أن تُساهِم في المعارضـة ، أو تصدر الصحف الحرّة ، أو تُساهم في نقد الحاكم والمسؤولين ، وتُحاسِـب الظالمين ، وتُساهم في تشكيل الأحزاب .. وفي التاريخ الاسلامي نماذج رائعة لهذه الحالة ، والمُساهمة السياسية الصريحة .. وكان موقف الصدِّيقة الزهراء بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ وهي سيِّدة نسـاء العالمـين ـ ، ومسألة السـقيفة ، أروع الأمثـلة وأصرحها على المعارضة السياسية ، والمجاهرة بالحق (34) .. وكان موقف زينب بنت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، في حادثة كربلاء ، إلى جانب أخيها الإمام الحسين (عليه السلام) ، وما تلاها من أحداث من أوضح الأدلّة على الدور الرسالي العظيم الذي تؤدِّيه المرأة من أجل الاسلام والانسان والمصلحة الاسـلامية العُليا ، بقيادة إمام الهدى (عليه السلام) (35) .. وفي مواقف النِّساء المؤمنات من حكومة الطغيان الأموي منذ عهد معاوية بن أبي سـفيان ، شواهد حيّة على صمود النِّساء المؤمـنات في وجه الطّغيان السياسي . وهكذا يمكننا أن نخلص إلى القول : انّ المرأة كالرّجل في ممارسة الفعاليات السياسية في المجتمع الاسلامي ، وإذا قدر أنّ هناك استثناءات محدّدة ، فهي تتعلّق بالتكوين الطبيعي لأحد الجنسين ، وما يتعلّق بمهمّة توزيع المهام ، لإدارة شؤون الحياة الانسانية ، بشكلها المطلوب .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|