قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: المبادئ الأربعة
وحملها الإنسان
وإذا كان هذا هو المبدأ الأساس من مبادئ إيجاد الإنسان (مبدأ الخلافة) فإنّ هذه الخلافة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالأمانة التي تحدّث عنها القرآن وعن حمل الإنسان الخليفة لها، فقد ائُتمن هذا الإنسان الخليفة على أمانة، واستخلف لحفظها ورعايتها نيابة عن خالقه الذي استخلفه وأنابه ـ نيابة تشريف وتعظيم ـ. وإذن فلنتحدّث عن هذه الأمانة، وعن شروط حملها، وعلاقتها بالخلافة. قال تعالى: {إنّا عرضنا الأمانة على السّماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنّه كان ظلوماً جهولاً}. (الأحزاب /72) فلنلق نظرة فاحصة متأمّلة على ما حوت هذه الآية الكريمة من محتوى، وما تضمّنت من مضمون فكري، ولنحاول دراسة مفاهيمها وتحليل أفكارها وكشف مداليلها التي انطوت عليها. ولكي نحقّق هذا اللّون من الدراسة، ونتعامل مع هذا النص تعاملاً يتيح لنا متابعة ما رمت إليه الآية الكريمة من معنى ومضمون، لكي نحقّق ذلك، إذن فلنقف عند كلّ كلمة من كلمات هذا البيان القرآني بصيغتها المفردة، لنتعامل معها ضمن إطار الوحدة الفكرية الجامع لنصّ الآية الكريمة هذه، وعند ذلك سنواجه في المرحلة الأولى من الدراسة المفردات القرآنية التالية: العرض. الأمانة المعروضة. الإشفاق من الحمل. الإباء. حمل الإنسان للأمانة. الظلم والجهل. فهذه هي المفردات التي سلكت كمحاور أساسيّة لأفكار الآية ومفاهيمها. فماذا تعني كلّ مفردة من هذه المفردات بصيغتها الاستعماليّة المفردة؟ وماذا يمكن أن نستفيد منها في تجميع أفكار النص وصياغة مفهوم الآية؟. واذا شئنا تناول مفردات الآية على الترتيب ودرسنا مداليلها على ضوء استعمالات اللغة خرجنا بما يلي: أولا: (العرض). والعرض في اللغة هو: (ابداء الشيء واظهاره لذوي الرغبة فيه رجاء قبوله)(3). ثانيا: (الأمانة). والأمانة هي: (الشيء الذي تطلب الطمأنينة على حفظه من أجل أن يؤدى الى صاحبه، دون أن يخاف على إتلافه، أو العبث به). ثالثا: (الإشفاق). وهو: (عناية مختلطة بخوف، لأن المشفق يحب المشفق عليه ويخاف ما يلحقه، فاذا عُدّي بمن فمعنى الخوف فيه أظهر، واذا عُدّي بفي فمعني العناية فيه اظهر)(4). فالإشفاق هنا إذن هو: (الخوف من عاقبة الأمر المتوقع خطره على الإنسان مع شعور بدافع الخوف مع حب الإخلاص وحماية النفس من الآثار المتوقع حدوثها). رابعا: (فأبين). (الإباء هو شدة الامتناع)(5). خامسا: (وحملها الإنسان). أي: (كلف نفسه بقبولها، ورضي بأن يكون محلا لاستيعابها ورفعها). سادسا: (ظلوما). (والظلوم هو كثير الظلم، والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه). سابعا: (الجهل). قال الراغب الاصفهاني: (الجهل ثلاثة أضرب، الاول: وهو خلو النفس من العلم، هذا هو الاصل، وقد جعل ذلك بعض المتكلمين معنى مقتضيا للافعال الجارية على غير النظام. والثاني: اعتقاد الشيء بخلاف ما هو عليه. والثالث: فعل الشيء بخلاف ما حقه أن يفعل، سواء اعتقد فيه اعتقادا صحيحا أو فاسدا كمن يترك الصلاة متعمدا)(6).واذن فالجهل هنا هو: (حمل الامانة على خلاف الاسس والقواعد التي يجب ان تحمل فوقها)(7). هذه هي المعاني المفردة التي حملتها الينا الآية (آية حمل الأمانة)، فما عسانا أن نكتشف من تكثيف المعاني ونظم المفردات داخل اطار الوحدة الفكرية للنص. لنعرف ما هي هذه الامانة التي عرضت على الإنسان من اجل ان يحافظ عليها ويقوم برعايتها، وكيف تم عرضهاعلى السماوات والأرض والجبال، وكيف كان الترغيب والتعريف بها لهذه الموجودات المادية التي لا تعي معنى حفظ الأمانة، ولا تملك الادراك الذي تميّز به ـ حسب مفهومنا البشري ـ الادراك الذي نعهده في عالم الأحياء.وكيف رفضت هذه الكائنات الأمانة وشعرت بالاشفاق على نفسها من الحمل والتعرض للمسؤولية؟. ولماذا تحمل الإنسان الأمانة ورضي أن يكلف نفسه بها، فيكون محلا لحفظها والعناية بها؟. ولماذا كان هذا الإنسان بعد الرضى بالحمل جهولا ظلوما؟. اذا شئنا الجواب على هذه الأسئلة كلها فلننعم النظر بمفاهيم الآية ولنتابع مضامينها الفكرية العميقة بالإنصات الى حديث القرآن وتتبع خطواته. فقد بدأ القرآن بعرض الفكرة بالوثيقة التالية: الأمانة عرضت على السماوات والأرض فرفضت وأشفقت لأنها لم تكن مؤهلة بحكم تكوينها وطبيعتها الذاتية أن تحمل الأمانة، لأنها لا تملك من القدرات والقوى الذاتية والإمكانيات ما يجعلها بمستوى حمل الأمانة. والإنسان هذا المخلوق وبطبيعة تكوينه واستعداد خلقته قبل الأمانة، فهو بما يملك من قوى ذاتية وطبيعة حياتية يستطيع أن يكون محلا لحفظ الأمانة، وموضعا لرعايتها لو شاء أن يكون أمينا عليها مخلصا في أدائها. فالإنسان إذا قرنّاه بعالم الطبيعة وجدناه يتفوّق عليها، وهو يتمتع بعد ذلك بخصائص وصفات زائدة على خصائص الكون الطبيعي وعلى عوالم الأحياء الأخرى. وإن هذه الخصائص والصفات هي التي أهلته لحمل الأمانة وهي التي تحدث القرآن عنها، فقال: {الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين* ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين* ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون}. (السجدة /7 - 9) {واذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون* فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين}. (الحجر/28 - 29) {اذ قال ربك للملائكة اني خالق بشرا من طين* فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين}(ص/71 _ 72) فالإنسان إذن ما كان انسانا إلا لأنه يحمل بين جنبيه هذه النفحة الروحية، ويملك تلك الخصائص التي قال فيها الله سبحانه: (من روحي) ـ أي وهبته فيضاً مني ـ فهي قبس من صفات ربانية تتصف بصفات الحياة والادراك والعلم والقدرة والارادة ... إلخ. إن هذه الحقيقة الروحية هي القوة التي تتجه وتتسامى نحو عالمها الرباني وتشتاق الى التعالي والاقتراب من الصفات الربانية المقدسة. وهذه النفحة هي (الأمانة) المستودعة لدى الإنسان وهي التي استحق أن يكون بإخلاصه لها أفضل من الملائكة.فالأمانة التي عرضت على السماوات والأرض والجبال ولم يحملنها هي (هذه النفحة الربانية) وهي(هذه الخصائص الإنسانية التي تميز عالم الإنسان عن عالم الطبيعة والحيوان)،وما كان الرفض إلا تكوينيا لافتقار السماوات والأرض والجبال للتأهيل والاستعداد التكويني لحمل هذه الأمانة. لذا كررت الآيات الثلاث مفهوما واحدا وكشفت عن الطبيعة التي يتكون منها الإنسان، فأوضحت أن الإنسان مكون من عنصرين متفاعلين هم: عنصر التراب، أو العنصر المادي بما يحويه من مادة وقوانين وأنظمة طبيعية، وعنصر الروح، السر الغامض والحقيقة التي لا نعرف عنها الا أن الله سبحانه وصفها فقال هي: (من روحي). فالأمانة اذن هي قبس الهي ونفحة ربانية، وهي السر الكامن وراء الماهية الإنسانية، والحقيقة التي تتقوم بها الذات البشرية، وهي مصدر النشاط والتعبير الإنساني الذي لا يستطيع ان يؤديه غيرها من المخلوقات في هذا الوجود، وهي التي أحاطت بعوامل الصراع والعداوة والقوى المضادة في داخل الكيان البشري من قوى الشر والظلام الابليسية التي رفضت الخضوع والاستسلام، فصار الإنسان بذلك ساحة للنضال، ومحلا للصراع والنضال. ولذا كان واجب الإنسان حفظ هذه الأمانة من واقع الشر والضلال داخل كيانه، ومن نوازع التحدي والعدوان التي تحاول جاهدة اعاقة تصاعد هذا الجانب العلوي الذي ينزع نحو الصفات الربانية من العدل والرحمة والصدق والحب والحق والوفاء والعلم وحب الخير، ويسعى للكمال والرقي والانفلات من عالم المادية الصنمي والنوازع الشريرة الحيوانية، كالشره والعدوان. وعندما يسقط الإنسان في ساحة الكفاح ضد الشر ويخسر معركته من أجل الخير ويستسلم لقوى الضلال في نفسه، فيتواطأ معها ليخون أمانته ويتعامل معها تعاملا خيانيا ومنحرفا لا يتناسب والنظام التكاملي الذي يأخذ بيده نحو الخير والتكامل. فهو عندما يفعل ذلك يكون ظالما وجهولا كما وصفه القرآن بقوله: {إنه كان ظلوما جهولا}. لأنه لم يضع الأشياء في مواضعها،ولم يجر قوانين الطبيعة البشرية ـ قوانين الشريعة والقيم الإلهية ـ ونظام تكاملها وفق مجراه الطبيعي الذي ائتمن على التعامل مع أمانته وفقه،وعلى أساسه.ولذا أيضا كان جهولا لأنه لم يسحن التصرف والتعامل مع هذه الأمانة، ولم يقدر عظم المسؤولية الربانية التي رضي بحملها. فالله سبحانه استودع الإنسان ما نفخ فيه من روحه وائتمنه عليه، ووضع له منهاجا وطريقة ـ الشريعة والرسالة الإلهية ـ لحفظ هذه الأمانة والتعبير عن محتواها وتجسيد غاياتها. ولا يكون الإنسان أمينا وحافظا للأمانة الا بحفظها والسير بها وفق منهاج الائتمان ونظام الحفظ والرعاية ـ القانون الالهي ـ.
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|