قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: حول منهج التعامل مع التراث
تعريف العقل المسلم
في مسألة التراث ينبغي أن ندرس بشكل أساس العقل المسلم . ماذا نعني بالعقل المسلم ؟ ما هي عناصر تَشكُّله ؟ كيف تشكّل العقل المسلم؟.. أو بعبارة أخرى ما هي اُسسه البنائية، وما هي آليّة عمله ، وما هي عطاءات هذا العقل ؟ وما هو الموقف منها عِبْرَ حركة التأريخ وتطوّر الحياة ؟ وهل هو تشكيلة قد توقّفت عن التطوّر والإبداع والعطاء ، تحتاج إلى إعادة تشكيل ، أو أن عطاءه يحتاج إلى مراجعة ونقد وتقويم ؟ أو أن مصيره الالغاء والبحث عن بديل ؟ إنّ كلّ تلك المسائل، وغيرها من القضايا، قد تعرّض لها مفكِّرون معاصرون ; أمثال محمّد عابد الجابري، ومحمّد أركون، وحامد أبو زيد، وحسن حنفي ، و د. عماد الدين خليل ، و د. عبد الحميد أحمد سليمان ، و د . عبدالرحمن الطريري ، وغيرهم كثير ممّن كتب وبحث تحت عناوين شتّى ، وفي موضوعات متعدِّدة ، وخرج بنتائج متفاوتة . وبحثـوها تحت عنـاوين (تشكيل العقل العربي) و (تشكيل العقل المسلم) و (أزمة العقل المسلم) ، وغيرها من العناوين والمصطلحات . وقبل الحديث عن (العقل المسلم) يجدر بنا أن نُعرِّف العقل أوّلا ، ثم نوضِّح مصطلحي (العقل المسلم) و (العقل العربي) لنوفِّر للقارئ رؤية تمهيدية تمكنه من الفهم والوضوح. عرّف الراغب الاصفهاني العقل بقوله: «العقل يقال للقوة المتهيّئة لقبول العلم، ويقال للعلم الذي يستفيده الإنسان بتلك القوة عقل ... وعرّف العلم بقوله : العلم : إدراك الشيء بحقيقته ; وذلك ضربان ، أحدهما : إدراك ذات الشيء ، والثاني : الحكم على شيء بوجود شيء هو موجود له ، أو نفي شيء هو منفي عنه»(4). وجاء في دائرة معارف القرن العشرين: «العقل هو القوة المدركة في الإنسان، وهو مظهر من مظاهر الروح ، محلّه المخ ...»(5). ونقل عن الماوردي قوله: «وقال آخرون، وهو القول الصحيح، أن العقل هو العلم بالمدركات الضرورية، وذلك نوعان: أحدهما ما وقع عن درك الحواس، والثاني ما كان مبتدئاً في النوع»(6). ونُقل عنه أيضاً : «وقال آخرون ، العقل هو المدرك للأشياء على ما هي عليه من حقائق المعنى»(7). وهكذا يتّضح لنا أن كلمة العقل تطلق على معنيين عند علماء الإسلام، وهما : 1 ـ القوّة المدركة المتهيئة لقبول العلم، وهي القوّة المميِّزة للنوع الإنساني عن سائر الحيوانات ، واعتبره علماء الإسلام الفصل في تعريف الإنسان . اذ تقبلوا التعريف المنطقي للإنسان بأنه : (حيوان ناطق)، ذلك لأن الناطقية ترتبط بالقدرة على التفكير، وتلقّي المعرفة . 2 ـ يُطلِق علماء الإسلام مصطلح العقل على مجموع العلوم والمعارف التي يستفيدها الإنسان عن طريق الادراك العقلي، منطلقين من إطلاق اسم السبب على المسبب ; ذلك لأن العقل هو علّة تحصيل العلم، وبذا ساووا بين مصطلح العقل والعلم في هذا المجال، كما في تعريف الراغب الاصفهاني، وكما في التعريف الذي اختاره الماوردي . ويتضح لنا مصطلح العقل، المستعمل بمعنى العلم المستفاد، من قبولهم تقسيم العقل إلى : 1 ـ العقل النظري (العلوم النظرية) . 2 ـ العقل العملي (العلوم العملية) . ومن تقسيمهم العقل إلى : 1 ـ العقل المطبوع . 2 ـ العقل المكتسب . وهو ما يختاره الماوردي في التعريف الآنف الذكر ، بأنّ العقل نوعان : 1 ـ العلم المستفاد من الحواس ضرورة. 2 ـ العلم الغريزي المركوز في أعماق الإنسان بشكل فطري، كمعرفة الإنسان للضحك، والرضاع، والبكاء . وهكذا يتّضح لنا أن مصطلح (العقل المسلم) في أحد معنييه ، يعني العلوم والمعارف التي أنتجها العقل بمنهج تفكير إسلامي ، ووفق مسلّمات إسلامية. وهذا التعريف يفصل بين العقل ، كقوّة مدركة ، وبين العقل بالمعنى الآخر، فالعقل بالمعنى الأوّل، هو عام ومشترك بين أبناء النوع البشري جميعاً ، فليس هناك عقل عربي ، أو عقل إسلامي ، أو عقل يوناني ، أو عقل أوروبي ; بل هو عقل واحد (هو العقل الطبيعي) ، وتتّضح قوانينه في علم المنطق، علم القوانين العامّة للتفكير . وأن التمييز بين العقول، الذي يلزمنا بتسمية العقل بأنه (عقل مسلم) أو (عقل أوروبي) أو (عقل يوناني) ، هو اطلاق العقل بمعنى العلم المستفاد وفق منهج تفكير ، ومسلمات مختصة بعقل دون آخر، فتمنحه الوصف والتسمية المميّزة ; وبذا يتّضح أن مصطلح العقل المسلم بهذا المعنى ، يساوق مصطلح الفكر الإسلامي ، والتدقيق العلمي ، ودواعي التمييز بين الأشياء ، توصلنا إلى أنّ الأفضل، هو اطلاق مصطلح (العقل المسلم) على العقل الطبيعي (القوة المدركة) الذي يمارس نشاطه العلمي وفق الأسس والمسلّمات الإسلامية، أي تلك الآلة المدركة التي تنظم حركتها وآلية عملها وفق خارطة وتعليمات إسلامية ، وبذا يكون مفهوم (العقل المسلم) أكثر تحديداً ووضوحاً . فعندما نستعمل مصطلح (العقل المسلم) ، نقصد به العقل البشري الذي يمارس عملية التفكير والتعامل مع المدركات بطريقة إسلامية; ليعطي نتائج إسلامية. ومجال ذلك، هو العلوم والمعارف ذات الطبيعة المذهبية; ولنطلق على ما ينتجه هذا العقل من علوم ومعارف اسم (الفكر الإسلامي) أو (العلوم والمعارف الإسلامية)، بل ونستطيع أن نطلق على جزء كبير من تلك المكتشفات اسم الثقافة الإسلامية. ولعلّ إطلاق اسم (العقل العربي) على (العقل الإسلامي)، متأت من نشوء هذا العقل في البيئة الناطقة بالعربية، ولأن تلك العلوم دُوّنت بلغة العرب ، واستوحت مادتها من الكتاب والسنّة ، بشكل أساس ، وهما نصّ عربي مبين ; ولأن الدولة التي تدير الحياة السياسية ، كانت دولة عربية بلغتها ونَسَب حكامها ، وقادتها الأساسيين.
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|