بحوث حضاريـة

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  حول منهج التعامل مع التراث


الموقف من العقلانيّة :

ودراسة وتحليل الإتجاهات الفكرية ، والبُنية المعرفيّة الإسلامية ، توصلنا إلى أن هناك ثلاثة اتجاهات مدرسيّة برزت في مجال تحديد قيمة العقل ، وتوظيف طاقته ، وهي :
أ ـ الغاء وتعطيل دور العقل في فهم الشرع،وإثبات العقيدة;وإلى ذلك ذهب الفهم الظاهري والحشوي،ودعا إلى التوقّف عند ظاهر النصّ،بل والذهاب إلى أن الايمان بالله مصدره الشرع،وليس العقل.وقد أدى هذا الاتجاه الظاهري والسلفي إلى تجميد حركة العقل، وإيقاف دوره في الفهم والإستنباط، والاستفادة من روح النصّ والخزين المحتوي فيه، وتمثّل هذا الاتجاه في الظاهرية، والحشوية، والسلفية، والأشاعرة، وبعض توجّهات الأخبارية الشيعية.
ويشارك تلك الاتجاهات الاتجاه الصوفي والعرفاني الذي ألغى دور العقل في تحصيل المعرفة،وقال بنظرية الكشف المتأتي عن طريق تطهير الباطن،وأن النفوس النقية تتصل بالعقل الفعّال،فيفاض عليها العلم، فالعقل بمنهجه البرهاني والاستدلالي لا يوصل إلى المعرفة الحقّة.
ب ـ المغالاة في دور العقل، والخروج من العقلية العلمية إلى الشكلية السفسطائية ، والتحكّم بالشرع وفق تلك الشكلية غير المنطقية.
إذ كان هذا الاتجاه مغالياً في قيمة العقل ودوره، فقد أفرط في تقويم العقل وتحكيمه، والاعتماد عليه في تحصيل المعرفة، وفهم العقيدة والشريعة والسلوك، والطبيعة والنفس. وقد مثّل هذا الاتجاه فريق الفلاسفة المسلمين المتأثرين بالفلسفة اليونانية، كما ونتج عن تلك المغالاة، وعدم معرفة حدود العقل، واقحامه في ميادين ليس من شأنه الدخول اليها، عبثاً في المفاهيم الإسلامية، وفرض صيغ تفسيرية للنص الإسلامي والمحتوى الفكري وفق ممارسات عقلية خاطئة، فقد أخطأ أولئك العقليون في توظيف العقل كأداة للفهم وانتاج المعرفة.
ومن أمثلة تلك الممارسات العقلية الخاطئة ; القول بأنّ الواحد لا يصدر منه إلاّ واحد، وأنّ العالم قديم(18)، لأنّ علّته ـ الخالق سبحانه ـ قديمة، منطلقين من القول بأن المعلول لا يتخلّف عن العلّة ، فقادهم ذلك المبدأ العقلي الطبيعي إلى القول بقِدَم العالم لقِدَم علّته ـ الخالق سبحانه ـ ثم القول بنفي الإختيار الإلهي، وأن الله لا يستطيع أن لا يخلق العالم. لأن التلازم حتمي بين وجود العلّة والمعلول، فمتى وجدت العلّة وجب أن يوجد المعلول، ولأن الله علّة هذا العالم موجود; فيجب أن يوجد العالم من غير اختيار علّته . وبذا أنكروا الاختيار الالهي، وقدرته على الفعل والترك.
ومن أمثلة الشكلية العقليّة ، القول باشتراط السنخيّة في التأثير ، التي تعني أن الخالق لا يمكن أن يؤثِّر مباشرة في الخلق; لإختلاف ذات الخالق عن طبيعة الخلق، فلا بدّ من وجود وسائط تتلائم مع الذاتين من جهتين ، ليتحقّق التأثير الالهي في الخلق .
ومن أمثلة تلك المفارقات، الانطلاق من أن الحقائق العلمية تقسم إلى قسمين : حقائق كلِّيّة ، وحقائق جزئيّة ، وأن الحقائق الكلِّيّة ثابتة ، وليست متغيِّرة، وأن الحقائق الجزئيّة خاضعة للحدوث والتغيّر والتبدّل، وقاسوا على ذلك أنّ علم الله سبحانه ، يكون مختصّاً بالكلِّيّات ، فهو لا يعلم الجزئيّات ، ذلك لأنّ علمه قديم وثابت .
بل وأقحم العقل في البرهنة التجريدية على مسائل حسِّيّة تجريبية،لا يمكن للعقل المجرّد إدراكها الاّ بواسطة التجربة أو المعلومة الحسِّيّة،وكم وجدنا من بحوث عقلية في التراث،وفي
مجال الطب،والفيزياء والفلك والمادّة...الخ،خاطئة،اعتقد أصحابها أنهم أتموا البرهان العقلي
القاطع عليها .
وهكذا وقع العقل بين التحجّر والجمود، ورفض الممارسات العقلية لفهم العقيدة والشريعة، وبين العبث والتخبط، وتشويه الفكر والعقيدة الإسلامية، والخروج من العقلية العلمية إلى الحذلقة والسوفسطائية والتجريدية الخاطئة.
وكان لهذين الإتجاهين أثرهما السلبي، وإفرازاتهما الضارة في الفكر الإسلامي، نواجهها في مجالات شتى منه، نواجهها في الفكر والتشريع، وفي فهم الحياة، وتقويم العقل والإرادة البشرية... الخ.
ج ـ التوظيف العلمي للعقل : والاتجاه الثالث، وهو الاتجاه المعبِّر عن التقويم القرآني للعقل، وهو الاتجاه الذي حدَّد قيمة العقل تحديداً طبيعياً، أي انطلق من أن الإنسان عاقل مدرك، وحينما يخاطب من قبل الله تعالى، إنَّما يخاطب بهذا الاعتبار. أو بعبارة أخرى إن الخطاب موجه إلى العقل، كما أنه حينما يتعامل مع الاشياء يتعامل ككائن عقلي مع ما يحمل من أدوات الحس والغريزة.
فالعقل، وفق هذا الاتجاه، هو القوة التي تمنح الإنسان قيمة وجوده، وبها يصنع حياته كإنسان، وهو الفارق بينه وبين سائر المخلوقات على هذه الأرض، وأن للعقل إمكانياته ومؤهلاته الإدراكية التي تضع له حدوده وصلاحياته .
فقيمة العقل قيمة علمية، وتلك القيمة العلمية، منطلقة من قدرته على فهم الأشياء وإدراكها بشكل مطابق للواقع الخارجي، كما أنه قادر على الاستنتاج، وانتاج المعرفة المركَّبة والتحليلية، سواء أكانت في مجال معرفة الخالق، أو المخلوق ـ الطبيعة والحياة ـ أو الرسالة والوحي الإلهي.
وأبرز مَنْ بيَّن هذا الاتجاه القرآني، من الناحية التنظيرية، هي مدرسة أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، فقد آمنت هذه المدرسة بأن قيمة العقل تُقيّم على الأسس الآتية :
1 ـ قدرته على اكتشاف العالم الخارجي المتطابق مع الواقع.
2 ـ قدرته على الربط والتحليل والإستنتاج، وبتوظيف هذه القدرة يتوصّل إلى معرفة الله تعالى.
3 ـ انّ له حدوداً ومجالات ليس بوسعه أن يتجاوزها، فهو جزء من عالم الطبيعة ، وتحكمه قوانينها وحدودها ، فهو مثلا ، لا يستطيع أن يفهم معنى العلاقة الوجودية بين الله والخلق بحقيقتها التفصيلية، وحينما دخل في تفسير هذه العلاقة، انتهى إلى نظريات منتزعة من فهم العلائق في عالم الطبيعة، فإن الذين أقحموا عقولهم في هذا المجال انتهوا، مثلا ، إلى القول بوحدة الوجود والموجود، والتي آلت إلى القول بوحدة الذات الإلهية مع ذات غيره من موجود.
ومن أمثلة الغلوّ العقلي ، ما ذهب اليه البعض حين تعذّر عليه إيجاد تفسير عقلي للمعجزة، وفق قوانين الطبيعة التي تحكم حركة العقل في عالم المادة، فأنكر حدوث المعجزة، ونسي أن من أحكام العقل السليم، هو التسليم بأن لكل شيء حدوداً، وأن العقل كقوّة مدركة لها حدود أيضاً .
وفي النهاية نخلص إلى أنّ العقلانية العلمية ، هي إحدى العناصر الاساسية التي يتشكّل منها العقل المسلم من غير إلغاء لدور العقل، أو مغالاة سوفسطائية فيه .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com