بحوث حضاريـة

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  حول منهج التعامل مع التراث


2 ـ مبدأ العلِّيّة والسّببية :

والعنصر الثاني الذي تتشكل منه بنية العقل المسلم، هو الايمان بمبدأ العلِّيّة والضرورة السّببية في عوالم الطبيعة والفكر والمجتمع.
فقد ثبّت القرآن هذا المبدأ، وأسّس عليه.. وحين انتقل الفكر الإسلامي إلى مرحلة التنظير، وبناء النظرية على أساس العلاقة بعقيدة التوحيد، نشأت بعض النظريات والأفكار التي أنكرت مبدأ العلِّيّة والسببية، متوهمة أن الإيمان بالعلِّيّة والسّببية، في عالم الخلق، يتعارض وعقيدة التوحيد، توحيد الله في الفعل والتأثير... فأنكرت مبدأ العلِّيّة ، وأن يكون هناك أسباب طبيعية واجتماعية وفكرية، تؤثِّر فينتج عنها معلولات ونتائج ضرورية، بل فسّروا الإقتران المتكرِّر بين الحوادث بجريان العادة (عادة الله تعالى في الخلق).
وقد تصدّر هذا الإتجاه الأشاعرة والمتصوفة، وردّ عليهم المعتزلة والشيعة الإمامية وفلاسفة الإسلام، بردود واسعة وضافية في كتب الكلام والفسلفة والمناظرة .
ومن المفيد أن نشير هنا إلى أن بعض الفلاسفة الماديين الغربيين ينكر الضرورة العلِّيّة ويفسِّرها بالعادة،مثل برتراند،وهيوم الذي فسّر السلوك البشري واللغة بالعادة،ورفض مبدأ العلِّيّة.
«لقد فكّك هيوم علاقة السببية وأرجعها إلى العادة ثمّ توقّف ، فكان أن نقل السببيّة من الظاهرة إلى الذّات ، وجعلها عادة بيولوجية وفصلها عن اللّغة ورموزها ، فلم يحلِّل العادة ، ولم يفكّ الرّمز منها ، ولم يطهرِّها من اللغة . فقد اعتبر العادة جوهراً نهائياً ونسب إليها ظاهرة السببيّة ، ووضع التكرار الآلي في أساس وجود العادة. فجعل إحتمال الأسباب هو الذي يسيطر على الناس وذلك على أساس تتابعات سابقة متجانسة حدثت الاُمور على منوالها. إذ إنّ توالي الحوادث وَوُقوع الحوادث المتجانسة على منوال واحد تُكوِّن لدى الإنسان عادة، وهذه العادة تصبح توقّعاً نفسيّاً لحوادث اُخرى متشابهة. وهذه العادة تزاد تثبيتاً ورسوخاً مع التكرار الآلي المتجانس ، وعليه فإنّ الإنسان يزداد وثوقاً من توقّعاته المستقبلية ، وينتقل بحكمه من مرحلة الظنّ إلى مرحلة الإحتمال البرهاني .
إنّ العلاقة السببية بين الحوادث تبدأ بالمشاهدة البسيطة ثمّ تتطور مع المشاهدة المستمرّة ومع التكرار حتّى تصل إلى حدّ الإعتقاد بوجود رابط قوي بين الحوادث، حيث ينتقل بعدها الإنسان إلى مرحلة إحتمال البرهان وإلى مرحلة التصديق التجريبي العملي. وبهذه تتكوّن عند الفرد عادة التواتر السببي، إذ تكفي عند ذلك أن يتلاحق شيئان مرّة واحدة، ليربط بينهما برباط سببي، بحيث يتوقّع النتيجة إذا وقع السبب ، لا لإنّ التكرار هو الذي أعطى ذلك، بل لإنّ العادة أصبحت شيئاً طبيعياً عند الفرد. وبذلك تُصبح العادة قوة بيولوجية اُسقطت من العالم الخارجي على الجسد ، ولم يعد للّغة الرمزية من دور في إظهار السببيّة الطبيعيّة»(19).

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com