بحوث حضاريـة

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  حول منهج التعامل مع التراث


3 ـ إنّ الحِسّ هو المصدر الأوّل للمعرفة البشرية :

قال العلّامة الحلّي: «إعلم إن الله تعالى خلق النفس الإنسانية في مبدأ الفطرة خالية عن جميع العلوم بالضرورة، قابلة لها بالضرورة، وذلك مشاهد في حال الأطفال، ثمّ خلق الله تعالى للنفس آلات بها يحصل الإدراك، وهي القوى الحسّاسة ، فيحسّ الطفل في أوّل ولادته بحسّ لمس ما يدركه من الملموسات، ويميِّز بواسطة الإدراك البصري على سبيل التدرّج بين أبويه وغيرهما، وكذا يتدرّج في الطعوم، وباقي المحسوسات إلى إدراك ما يفعله بتلك الآلات، ثمّ يزداد تفطّنه فيدرك بواسطة إحساسه بالاُمور الجزئية الاُمور الكلية من المشاركة والمباينة، ويعقل الاُمور الكليّة الضرورية بواسطة إدراك المحسوسات الجزئية، ثمّ إذا استكمل الإستدلال وتفطّن بمواضع الجدال أدرك بواسطة العلوم الضرورية العلوم الكسبية ، فقد ظهر من هذا أن العلوم الكسبية فرع على العلوم الضرورية الكليّة، والعلوم الضرورية الكلّيّة فرع عن المحسوسات الجزئية، فالمحسوسات إذاً هي اُصول الإعتقاد، ولا يصحّ الفرع إلاّ بعد صحّة أصله...»(20).
وهذه النظرية ، كما يذهب بعض المفسِّرين ، مؤسّسة على قوله تعالى : (وَاللهُ أَخْرَجَكُم مِن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُم لاَ تَعلَمُونَ شَيئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُم تَشْكُرُون )(21).
وتشكِّل هذه النظرية نقلة كبرى في التفكير البشري ، فهي تنطلق من الواقعية العلمية ، ذلك لأن مصدر المعرفة هذه حقيقة حسِّيّة لا سبيل لإنكارها ، ويشهد بها الحسّ والتجربة .
ومعنى أن الحسّ هو مصدر المعرفة ينسحب على المعرفة العقلية أيضاً، فدور العقل هو تسلّم المعرفة الجزئية عن طريق الحواس وإدراكها، وانتزاع الكلِّيّات منها، ثم تعميمها، والاستنتاج منها (الاستقراء والقياس)، وهذا يعني أن التوالد الفكري، تارة يكون توالداً ذاتياً، وأخرى توالداً موضوعياً (22) .
فالتوالد الذاتي: «يعني إمكانية نشوء معرفة، وتولّد علم على أساس معرفة اُخرى دون أي تلازم بين موضوعي المعرفتين، وإنّما يقوم التوالد على أساس التلازم بين نفس المعرفتين. ووفق هذا المنهج استنتج الفكر البشري من معرفته بعالم المخلوقات والمعاجز والدلائل المختلفة، استنتج المعرفة بوجود الله سبحانه لوجود التلازم بين المعرفتين .
أمّا التوالد الموضوعي للفكر أو المرحلة الاستنباطية من الدليل الاستقرائي فيقوم على أساس التلازم الموضوعي بين المعرفة المولِّدة والجانب الموضوعي من المعرفة المتولِّدة. ومثالها الاستنتاج في علوم الفلك والفيزياء والطب والنبات ... الخ»(23).
وجدير ذكره أن النظرية،التي لخّصها العلاّمة الحلّي بما سبق،لا تتعارض مع أن الوحي والمعرفة الغريزية مصدران من مصادر المعرفة،فالوحي ليس معرفة كسبية يحصـل عليها الإنسان بجهده الإنساني، بل هي تعليم إلهي يتلقّاه الأنبياء بجهاز تلق بشري ـ الحسّ والعقل والروح ـ ، كما يوضِّح ذلك قوله تعالى :
(لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَـانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَه * فَإذَا قَرَأناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَه )(24).
كما يحصل بعضه عن طريق المنام والإلقاء في النفس، وهو الجزء الأقل من الوحي الملقى إلى الهادي محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) . فظاهرة الرؤيا الصادقة في المنام وحصول المعرفة في النفس، من غير جهد حسِّي، ظاهرة مألوفة في الحياة البشرية، ولم تزل الجهود العلمية تتواصل لتقديم تفسير علمي لها .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com