بحوث حضاريـة

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  حول منهج التعامل مع التراث


5 ـ الإيمان بالله الأحد :

تبتني العقيدة الإسلامية التي بشّر بها النبيّ محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) على الايمان بالله الواحد الأحد، المتصف بكل صفات الكمال ، المنزّه عن الشبيه والمثيل والضدّ ، كما هو منزّه عن النقص وفعل الشر والظلم .
وهذا البيان الذي نادى به القرآن، هو وصف الله تعالى لذاته المقدّسة، وتعريفه نفسه للعباد، وهو الوصف الذي يكشف عنه الدليل العقلي، كما تكشف المشاهدة والتجربة الحسِّيّة في عالم المادّة والطبيعة عن كمال المُبْدِع ووحدانيته، من خلال كمال الخلق ووحدة نظامه. والمبدأ العلمي المتبّع في تحصيل العلوم المادِّية ـ مبدأ الإستقراء والقياس ـ هو نفسه المنهج المتّبع في إثبات وجود الله، وقضايا العقيدة والإيمان.
قال العالم الفسيولوجي أندرو كونوايفي:«...أحبّ أن ألفت الأنظار إلى طريقة الإستدلال التي نستخدمها في علوم الرياضة،فمن المعروف في علم الهندسة،أ نّنا نستطيع أن نبني كثيراً من النظريات على عدد قليل من البديهـيات،أو تلك الفروض التي نسلِّم بها،ونقبـلها دون مناقشة أو جدال حول صحّتها،فالعلماء يسلِّمون أوّلا بالبديهيات،ثمّ يتتبّعون مقتضياتها،أو النتائج التي تترتّب عليها،وعند إثبات نظرية نجد أن برهانها يعتمد في النهاية على مسلّمات أو اُمور بديهية،وكذلك الحال فيما يتعلّق بوجود الله،فوجـوده تعالى أمر بديهي من الوجهة الفلسفية، والإستدلال بالأشـياء على وجود الله ـ كما في الإثبات الهندسي ـ لا يرمي إلى إثبات البديهيات،ولكنّه يبدأ بها،فإذا كان هنالك اتفاق بين هذه البديهية،وبين ما نشاهده من حقائق هذا الكون ونظامه يعدّ دليلا على صحّة البديهية التي اخترناها ...»(25).
وهذه الحقيقة الكبرى في العقيدة الإسلامية، هي منطلق تشكيل العقل المسلم، وبداية افتراقه مع العقول الأخرى، وهي القاعدة التي تتسق معها العلوم والمعارف جميعها، وهي النتيجة المنطقية التي قادت اليها نظرية المعرفة الواقعية، وكم كان الايمان بهذا الأصل العقيدي والفكري أساساً للاختلاف في النظريات والآراء الفلسفية والمعرفية والسياسية وتفسير السلوك والإرادة الإنسانية.
فهذه العقيدة، هي نتيجة لنظرية المعرفة التي أنتجها العقل العلمي، كما أن نظرية المعرفة بنية فكرية متناسقة مع هذه العقيدة في كل عناصر بنائها، ومجالات إنتاجها الطبيعي والإلهي والاجتماعي والعقلي.
وهكذا آمن العقل بوجود الله بواسطة الدليل والبرهان العقلي، ونظّر المعرفة، وشكّل ذاته ونشاطه على أساس هذه العقيدة، فكان عقلا مسلماً.
ولعلّنا نجد في آيات عديدة من القرآن الكريم هذا الترابط واضحاً مثل قوله تعالى :
(الرّحْمنُ * عَلَّمَ القُرْآنَ * خَلَقَ الإنْسَانَ * عَلَّمَهُ البَيَان )(26).
(إقْرَأ وَرَبُّكَ الاَْكْرَم* الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَم* عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم)(27).
(قُلْ هُوَ الَّذِي أنْشَأكُم وَجَعَلَ لَكُم السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلا مَا تَشْكُرُون )(28).
(وَاللهُ أَخَرَجَكُم مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُم لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُم السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُم تَشْكُرُون )(29).
انّ التـأمّل في هذه الآيات ، يوضِّح أن الخـالق هو الذي وهب الإنسان أدوات المعرفة ، وهي أدوات الحسّ والعقل ، فعلّمه بها أنماطاً شتّى من المعرفة .
فالآيات تتحدّث عن بداية المعرفة لدى الإنسان، وأن الإنسان خرج من بطن اُمّه لا يعلم شيئاً، ثم تعلّم عن طريق السمع والبصر وغيرها من الحواس، وعن طريق الأفئدة (العقول). فالآية توضّح أن الحس هو مبدأ المعرفة، ثم يتدرج الإنسان من المعرفة الحسِّية إلى المعرفة العقلية التي توصل إلى معرفة الله الخالق، ثم يكون الايمان بالله، الذي أنشأ الإنسان بكل ما فيه من جسم وعقل ونفس وروح، أساساً للفهم والتفكير; ليتجسّد الشكر في كل ما يواجهه الإنسان من نعم الله تعالى في هذه الحياة; وليقوم نشاطه بأسره على أساس الايمان بالله، منطلقاً من أدلة العقل والحس، الموصلة إلى ذلك.
وحينما تنفصم العلاقة بين العقيدة الإلهية والمعرفة، لن يكون العقل عقلا مسلماً، ولا المعرفة معرفة إسلامية، أي حينما تكون طريقة التفكير، وما تنتجه من معرفة طريقة تتنكر للإيمان بالله، أو تشوّه عقيدة التوحيد، فإنّهما طريقة ومعرفة غير إسلاميتين.

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com