بحوث حضاريـة

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  حول منهج التعامل مع التراث


ب ـ علم التأويل :

والعلم الثاني من علوم فهم الدلالة وصيانة المحتوى القرآني من الفهم الخاطئ هو(علم التأويل).
والتأويل في اللغة مأخوذ «من الأَوْل ، أي الرجوع إلى الأصل ، ومنه الموئل للموضع الذي يرجع اليه، وذلك هو ردّ الشيء إلى الغاية
المرادة منه، علماً كان أو فعلا ، ففي العلم نحو : (وَمَا يَعْلَمُ تَأوِيلَهُ إلاّ اللهُ والرَّاسِخُونَ فِي العِلْم )(49)، وفي الفعل، قوله تعالى : (هَلْ يَنْظُرونَ إلاّ تأوِيلَهُ يَوْمَ يَأتِي تأوِيلُه )(50)، أي بيانه الذي هو غايته المقصودة منه...» (51).
وكما للتأويل مفهوم لغوي، فان له مفهوماً إصطلاحياً وقرآنياً. وعلماء الإسلام اختلفوا في تحديد معنى التأويل، فذهب بعضهم إلى أن التفسير والتأويل شيء واحد، ولا فرق بينهما ، بينما فرّق آخرون ، واعتبروا قول مَنْ ذهب إلى أن التفسير لا يختلف عن التأويل، ينمّ عن جهل بعلوم القرآن ومعارفه.
والتأويل كعلم مُستقِل عن التفسير ، عُرِّف بأ نّه: «ردّ أحد المحتملين إلى ما يطابق الظاهر»(52) ، «وقيل التأويل انتهاء الشيء ومصيره ، وما يؤول اليه أمره»(4) .
أمّا الشهيد الفقيه السيد محمّد باقر الصدر، فيتحدّث عن معنى التأويل، كما حدّدته آيات من القرآن الكريم، فيقول :
«والمعنى الذي يناسب تلك الآيات، هو أن يكون المراد بتأويل الشيء، هو ما يؤول ، وينتهي اليه في الخارج والحقيقة، كما تدلّ عليه مادة الكلمة نفسها... ثم قال : فتأويل الآيات المتشابهة ليس بمعنى بيان مدلولها، وتفسير معانيها اللغوية، بل هو ما تؤول اليه تلك المعاني; لأنّ كل معنى عام حين يريد العقل أن يحدِّده ويجسِّده، ويصوِّره في صورة معيّنة، فهذه الصورة المعيّنة هي تأويل ذلك المعنى العام، وعلى هذا الأساس يكون معنى التأويل في هذه الآية((53)) هو ما أطلقنا عليه تفسير المعنى; لأن الذين في قلوبهم زيغ، كانوا يحاولون أن يحدِّدوا صورة معيَّنة لمفاهيم الآيات المتشابهة، إثارة للفتنة; لأن كثيراً من الآيات المتشابهة تتعلّق معانيها بعوالم الغيب، فتكون محاولة تحديد تلك المعاني وتجسيدها في صورة ذهنية خاصّة ـ مادِّيّة أو منسجمة مع هوى ورأي المؤوّل ـ عرضة للخطر والفتنة...»(54).
وهكذا يوضِّح الشهيد الصّدر معنى التأويل، بأنه تفسير المعنى، وبيان حقيقة الشيء في الخارج، فهو إذن ضرب من التفسير، ولكنه ليس تفسيراً للفظ، فعندما نريد تفسير قوله تعالى: (فأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ )(55) لانبحث عن معنى الوجه في اللغة، بل نبحث عن تفسير المقصود بالوجه في حقيقته الخارجية في هذه الآية ; لذا فالتأويل يبيِّن حقيقة الوجه المقصود بهذه الآية، هل هو الوجه الحقيقي المعروف كجزء من البدن ، أو المقصود به في هذه الآية الكناية عن تعظيم وجود الله تعالى الموجود في كل الوجود، فيكون المعنى أنّ الله موجود في كل جهة، وحيثما كنتم.
إنّ أبرز مظاهر التأويل وضوابطه تتركّز في ردّ المتشابه إلى المحكَم، فهناك آيات كثيرة تحدّثت عن عالم الغيب، فاستعملت كلمة الوجه واليد والعرش والميزان والغضب والسخرية والحب والمكر والكرسي... الخ، ونسبتها إلى الله سبحانه. غير أن هذه الألفاظ جاءت بلغة المجاز، وحين يراد فهم دلالتها، يجب أن تفهم على أنها استعمالات مجازية، كما أن وصف الله سبحانه بالعلم والسمع والإرادة والحياة والبصر والإدراك، هي أوصاف حقيقية لله تعالى، غير أن معناها وحقيقتها تختلف عن حقيقتها ومعناها الحسي المألوف في عالم المخلوقات، فعلم الله وسمعه وكلامه وإرادته وحياته وغضبه وحبّـه ... الخ ، تختلف عمّا هي عند الإنسان وغيره من المخلوقات المتصفة بتلك الصفات.
وتتّضح تلك الفوارق بقوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير ) . وهي من باب ردِّ المتشابه إلى المحكم، كما تنضبط بالأدلة العقلية على الوحدانية، وإثبات التنزيه له عن المثل والشريك والشبيه والضدّ... الخ، وبذا ساهم علم التأويل مساهمة فعّالة في حفظ عقيدة التوحيد من التجسيم.
وقد ثبّت القرآن الكريم المرتكزات الأساسية للتأويل في آيات عديدة، منها قوله :
(هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فأمّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ا بْتِغاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأوِيلِهِ ، وَمَا يَعْلَمُ تَأوِيلَهُ إلاّ اللهَ والرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَمَا يذَّكَّرُ إلاَّ أُولُو الأَلْبَابِ * رَبَّنا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إنَّكَ أَنْتَ الوَهّاب )(56).
(وَلَقَدْ جِئْناهُم بِكِتَاب فَصَّلْناهُ عَلى عِلْم هُدَىً وَرَحْمَةً لِقَوْم يُؤْمِنُون * هَلْ يَنْظُرُونَ إلاَّ تَأوِيلَهُ يَوْمَ يَأتِي تَأوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقّ )(57).
ودراسة مواقع التأويل في القرآن الكريم، توضّح لنا أن التأويل الذي هو بيان المعنى الخارجي للشيء هو غير التفسير الباطني للقرآن الكريم الذي دسّته الفرق الباطنية المنحرفة، فإن التفسير الباطني للقرآن الكريم، ليس تأويلا علميّاً، بل هو تحميل لآراء الإتجاه الباطني على القرآن الكريم،وهو ما نهى القرآن عنه،ووصفه بقوله: (... فَأمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَاتَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأوِيلِهِ...)(58).
كما وفي الإتجاه المعاكس ، نجد الإتجاه الظاهري الذي ذهب مذهب
التجسيم مصداقاً لهذه الآية أيضاً ، فكلا الإتجاهين اتّبع المتشابه ، ولكن بطريقته الخاصّة المعبِّرة عن رأيه ، ولو اتبع التأويل بمعناه العلمي ، لما اُلقي على كاهل الآية تلك التفسيرات والتصوّرات البعيدة عن مراد الله تعالى من كتابه الكريم.
وممّا تجدر الإشارة إليه ، هو التمييز بين الإتجـاه الباطني ، وبين ما ورد في أحاديث صحيحة من أن للقرآن باطناً وظاهراً، جاء في قول الإمام علي (عليه السلام) في وصف القرآن :
«... وهو الفصل ليس بالهزل ، وله ظهر وبطن ، فظاهره حكم ، وباطنه علم ، ظاهره أنيق ، وباطنه عميق...»(59).
فإنّ الباطن المقصود في تلك الأحاديث ليس ما ذهبت اليه المذاهب الباطنية التي فسّرت القرآن على هواها، ومعتقداتها الضالة، من الغلو والتحريف، بل المقصود بها هو ما جاء في الحديث المروي عن الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) :
«آيات القرآن خزائن ، فكلّما فُتِحَت خزينة ينبغي لك أن تنظر فيها»(60).
والذي يوضِّحه قول الإمام علي(عليه السلام): «...وبحر لاينزفه المستنزفون، وعيون لا ينضبها الماتحون، ومناهل لا يغيضها الواردون»(61).
ففي القرآن عمق ومحتوى لا يبلغه جيل ولا مُفسِّر ، لذلك وصفه الإمام علي (عليه السلام) بأن باطنه علم ، وباطنه عميق ، وكلّما تقدّمت علوم الإنسان ومعارفه وقدراته العلمية والعقلية وأوضاعه الإجتماعية، استطاع أن يستظهر من القرآن مايوحي به مخزونه المنطبق على مستجد الموضوعات، أو الموضّح بالأدلّة العلمية التي يتوصّل اليها الإنسان، فهو سابق للعقل والعصور ، لأ نّه مُنتهى الحقيقة العلمية، فهو كالضوء الذي يلوح للناظر من بعيد ، فكلّما اقترب منه ، اتضح له بصورة أفضل، كما يتّضح له ما حول النور ممّا لم يكن قادراً على إبصاره من بعيد.
وبهذا العلم ـ علم التأويل ـ أسِّس العلماء أداة علمية لضبط الفهم القرآني، وحماية العقل المسلم من الإنحراف، والعبث بالقرآن، والتلاعب بمعانيه .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com