اسم الكتاب: حول منهج التعامل مع التراث
2) السنّة المطهّرة :
والمصدر الثاني من مصادر المعرفة لدى العقل المسلم ، هو السنّة المطهّرة . وعُرِّفت السنّة بأنها : «كل ما صدر عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ((62)) من قول أوفعل أو تقرير»(63). والسنّة في حقيقتها، هي بيان للقرآن، وتفصيل لمجمله . والقرآن ينصّ على أنّ ما بلّغه الرسـول (صلى الله عليه وآله وسلم) ونطق به يجـب الالتزام به ، حسب عناوينه ، من إباحة وحرمة ووجوب . (وَمَا آتاكُم الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا )(64)، وأنّ ما يصدر عن الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من فعل وتقرير في المجال الشخصي أو الاُسري أو الاجتماعي أو التعبُّدي ، يكشف عن عدم الحرمة ، فإن كان عبادة ، ولم يدل دليل على وجوبها، فهي مستحبّة، وإن كان غير عبادة فهو يحتمل الاباحة والوجوب. والإنسان حرّ في دائرة المباح ; إن شاء فعل ، وإن شاء ترك . وقد بيّن القرآن الكريم قيمة السنّة النبوية ، كما أوردنا آنفاً ، بأ نّها متأتِّية من أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يتلقّى عن الله تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إنْ هُوَ إلاّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوَى )(65)، وأنّ ذاته البشرية تتصف بالعصمة ، فهو الإنسان الكامل ، وأنّ مصدر هذا الكمال هو العلم واللّطف الإلهيين، لذا كان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قدوة للبشرية: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ )(66)، والإنسان الذي يتوفّر له العلم بالشيء ، والقدرة الارادية على الالتزام يعصم نفسه من الوقوع في الخطأ . والعصمة بدرجات منها متوفرة في الإنسان العادي. فالذي عرف ضرر الخمر والممارسات الجنسية الشاذة، مثلا، لا يقارفها طول حياته، فإنّما يوصف بأ نّه عصم نفسه من ممارسة هذين السلوكين. والرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بما اُوتي من تعليم إلهي : (عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوَى ) . وتكوين عقلي ونفسي وإرادي وغريزي بأرقى ما يمكن أن يحصل للبشر من كمال واستقامة ، توفّرت له عناصر العصمة في ذاته . وتتقرّب صورة العصمة إلى أذهاننا إذا عرفنا أن الأبحاث الطبِّيّة ، والطبّ النفسي ، قد أثبتت إنّ معظم الانحرافات السلوكية مصدرها فقدان التوازن في تكوين الفرد النفسي والعصبي والعقلي، وانّ لإفرازات الغدد الصماء المضطربة تأثيراً بالغاً على انحراف الشخصية. وكلّما كانت هذه الإفرازات متوازنة في الشخصية، كان السلوك صحِّيّاً، كما أن سلامة البنية العصبية والعقلية ينتج عنها الاستقامة السلوكية إذا ما تصرّف الإنسان بعلم وإرادة، وتوفّر تلك العناصر في شخصية الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بشكلها البشري الكامل ، هي درجة من درجات اللّطف الإلهي. ونستطيع أن نفهم معنى العصمة من تعريف الأئمة والعلماء لها. عرّفها الإمام الصـادق (عليه السلام) بقوله: «المعصوم هو الممتنع بالله من جميع محارِم الله»(67). وعُرِّفت العصمة بأ نّها : «لطف خفيّ يفعله الله تعالى بالمكلّف بحيث لا يكون له داع إلى ترك الطّاعة ، وارتكاب المعصية ، مع قدرته على ذلك»(68) . ومن المشاكل الكبرى التي واجهها الفكر الإسلامي،هي مشكلة العبث بالسنّة النبوية،وهي مشكلة الدسّ والوضع والكذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمة أهل البيت(عليهم السلام)من بعده،فامتلأت كتب الحـديث والرواية بالموضوعات والمدسوسات. ويشهد المسـلمون من مختلف المذاهب بهذه الحقيقة; لذا أسّس العلماء، علم الحديث والرجال، لغربلة الرواية وتنقيحها،ورغم هذا الجهد العلمي والتحقيقي،وفرز الموضوع والمكذوب في كتب الرواية ـ السنّية والشيعية ـ،فما زال في كتب الحديث من الخرافات والأباطيل الموضوعة التي يعتمدها البعض،ويروِّج لها،بل ويفسِّر القرآن بهذه الروايات الضعيفة والساقطة علمياً.والموضوعية العلمية التي يحملها العقل المسلم هي التي فرضت تأسيس علم الحديث والرجال،وتنقيح الحديث من المدسوس والمكذوب،بل وتصنيف الحديث إلى مسـتويات بعضها أرق من بعض في الوثاقة.يقدّم الأوثق على الأقل درجة عند التعارض بينهما،غير أن علم الرجال والحديث لم يسلما من التأثيرات القَبْلية.والخلاف في الرأي والمبنى;كالخلاف في وثاقة هذا الراوي،وعدم وثاقته،وقبول هذا المستوى من الرواية وعدم قبوله،كقبول المراسيل الثّقاة،ووثاقة مشايخ الإجازة وعدمه،وكالإختلاف في تحديد مفهوم عدالة الراوي... إلخ.
|
|