بحوث حضاريـة

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  حول منهج التعامل مع التراث


1 ـ المنهج :

إنّ دراسة وتحليل الأعمال العلمية التي أنتجها المسلمون في مجال المعارف ، والوقوف على مسارهم المنهجي ، وتثبيتهم الاُسس التي اعتمدوها في عملهم العلمي ، وتصريحهم بها . إن دراسة كلّ تلك الأعمال الفكرية تكشف لنا عن منهج علمي متقن ومتناسق، قادر على التعامل مع القضايا التي تراد دراستها تعاملا علمياً منظّماً، يسير على اُسس منطقية وموضوعية، فقد أسّس علماء الإسلام مناهج علمية، بشكل يصح معها القول أن لدى علماء الإسـلام علماً يُسمّى (علم المناهج). فقد أسّس المسلمون منهجاً لكلّ علم ينظم دراساته وأبحاثه.
ودراسات علماء الإسلام وأبحاثهم المنهجية ونقدهم للمناهج الاُخرى انتهى إلى وضع المنهج العلمي القائم على أساس الإستقراء والاحتمال والقياس والنقد والبرهان، ووضعوا الدراسات والتفاصيل العلمية الدقيقة لتطبيق هذا المنهج، والاستفادة منه، فكان لهم منهج في الفقه والاستنباط، وهو منهج اُصول الفقه، ولهم منهجهم في فهم العقيدة احتواه علم الكلام على شكل مبادئ واُسس . ولهم منهجهم في فهم وتفسير القرآن، تجسّد تطبيقه في علمي التفسير والتأويل، ولهم منهجهم في الدراسات التأريخية والسنّة النبويّة، ولهم منهجهم في دراسات علم الاخلاق والنفس والمجتمع. فلم تكن دراساتهم عشوائية، أو قائمة على الارتجال والغموض الفكري، بل يجدها الباحث والمحلِّل المنهجي بنية علمية منظمة، يتحكّم المنهج في مساراتها من الاُسس والمقدّمات إلى النتائج والمعطيات.
وعلى الرغم ممّا دخل في هذه المنهجية من أخطاء،أو تلاعب من البعض، فإنّها هي الضابط العلمي لسير الأبحاث والدراسات، والوصول إلى النتائج العلمية المرجوّة من البحث. بل اكتشف المسلمون المنهج العلمي التجريبي في مجال الأبحاث الطبيعية والحياتية، فكانوا روّاد هذا المنهج، الذي أوصلهم إلى إكتشاف حقائق علمية في مجال الفيزياء والطب والفلك والكيمياء والنبات وغيرها.
وقد سجّل أحد علماء الغرب هذه الحقيقة بقوله :
«إنّ ما يدين به علمنا لعلم العرب ليس هو ما قدّموه لنا من اكتشافهم لنظريات مبتكرة غير ساكنة. إن العلم يدين للثقافة العربية بأكثر من هذا.. إنّه يدين لها بوجوده. وقد كان العالم ـ كما رأينا ـ عالم ما قبل العلم. إنّ علم النجوم ورياضيات اليونان كانت عناصر أجنبية لم تجد لها مكاناً ملائماً في الثقافة اليونانية. قد أبدع اليونان المذاهب وعمّموا الأحكام. ولكن طرق البحث وجمع المعرفة الوضعية وتركيزها، ومناهج العلم الدقيقة والملاحظة المفصلة العميقة، والبحث التجريبي كانت كلّها غريبة عن المزاج اليوناني... إنّ ما ندعوه بالعلم ظهر في أوربا كنتيجة لروح جديد في البحث ولطرق جديدة في الإستقصاء ... طريق التجربة والملاحظة والقياس Mesurement ، ولتطوّر الرياضيات في صورة لم يعرفها اليونان، وهذه الروح وتلك المناهج أدخلها العرب إلى العالم الأوربي»(71).

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com